منتديات البيت اللبنانى  

 


العودة   منتديات البيت اللبنانى > المكتبة الادبية > القصة والرواية والمسرحية
القصة والرواية والمسرحية القصة والرواية والمسرحية
التسجيل روابط مفيدة قائمة الأعضاء البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-13-2016, 06:11 PM   #1
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 07-05-2017 (03:37 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي قصة مضج العروس جبران خليل جبران



قصة مضج العروس جبران خليل جبران

من روائع الاديب اللبناني قصة مضجع العروس


خرج العريس و العروس من الهيكل يتبعهما المهنـّـئون الفرحون و تتقدمهما الشموع و المصابيح ، و يسير حولهما الفتيان المترنـّمون بالأهازيج و الصبايا المنشدات أغاني السرور .

بلغ الموكب منزل العريس المزيّن بالرياش الثمينة و الأواني المتلمـّعة و الرياحين العطرة ، فإعتلى العروسان مقعداً مرتفعاً و جلس المدعوون على الطنافس الحريريّة و الكراسي المخمليـّة ، حتى غصّت تلك القاعة الواسعة بأشكال الناس . و سعى الخدّام بآنية الشراب فتصاعدت رنـّات الكؤوس متآلفة مع هتاف الغبطة ، ثمّ جاء الموسيقيّون و جلسوا يسكرون النفوس بأنفاسهم السحريّة ويبطنون الصدور بألحانهم المنسوجة مع همس أوتار العود و تنهيدات الناي و حفيف الدفوف .

ثمّ قامت الصبايا يرقصن يتمايلن بقامات تلاحق مقاطع اللحن مثلما تتابع الأغصان الليـّـنة مجاري هبوب النسيم و تنثني طيات أثوابهنّ الناعمة كأنـّها سحب بيضاء يداعبها شعاع القمر . فشخصت إليهنّ الأبصار و سجدت لهنّ الرؤوس و عانقتهنّ أرواح الفتيان و تفطرت لجمالهنّ مرائر الشيوخ . ثمّ مال الجميع يستزيدون من الشراب و يغمرون ميولهم بالخمور . فنمت الحركة و علت الأصوات و سادت الحريّة و توارت الرزانة و تضعضعت الأدمغة و تلهّبت النفوس و اضطربت القلوب و أصبح ذلك المنزل بكلّ ما فيه كقيثارة مقطـّعة الأوتار في يد جنيـّة غير منظورة تضرب عليها بعنف و تولد منها أنغاماً جامعة بين التناسق و الالتباس : فهنا فتى يبوح بسرائر حبّه لفتاة أولاها الجمال تيهاً و دلالاً . و هناك كهل يجرع الكأس وراء الكأس و يطلب بلجاجة إلى المنشدين إعادة أغنية ذكرته بأيام صبابته . في هذه القرنة امرأة تغامز بأطراف أجفانها رجلاً ينظر بمودّة إلى سواها . و في تلك الزاوية سيدة قد بيّض الشيب مفرقها تنظر مبتسمة نحو الصبايا لتنتقي منهنّ عروسة لوحيدها . و بجانب تلك النافذة زوجة قد اتخذت سكر حليلها فرصة فاقتربت من خليلها ، و جميعهم غارقون في بحر من الخمر و الغزل مستسلمون إلى تيار من الغبطة و السرور متناسون حوادث الأمس منصرفون عن مآتي الغد منعكفون على استثمار دقائق الحاضر .

كان يجري كلّ ذلك و العروس الجميلة تنظر بعينين كئيبتين إلى هذا المشهد مثلما ينظر الأسير اليائس إلى جدران سجنه السوداء . و تتلفـّـت بين الآونة و الأخرى نحو زاوية من زوايا تلك القاعة حيث جلس فتى في العشرين من عمره منفرداً عن الناس المغتبطين إنفراد الطائر الجريح عن سربه ، مبكـّلا ً زنديه على صدره كأنه يحول بهما بين قلبه و الفرار ، محدقاً إلى شيء غير منظور في فضاء تلك القاعة كأنّ ذاته المعنويّة قد انفصلت عن ذاته الحسيّة و سبحت في الخلاء متبعة أشباح الدجى .

انتصف الليل و تعاظمت غبطة الجماعة حتى صارت ثورة ، و اختمرت أدمغتهم حتى تلجلجت ألسنتهم, فقام العريس من مكانه و هو كهل خشن المظاهر وقد تغلـّـب السكر على حواسه و طاف يتكلـّـف اللطف و الرقة بين الناس . في تلك الدقيقة أومأت العروس إلى صبية أن تقترب منها . فاقتربت و جلست بجانبها . و بعد أن تلفـّـتت العروس إلى كلّ ناحية تلفت جازع يريد أن يفشي سرّاً خفيّـاً هائلاً لزّت إلى الصبية و همست في أذنها هذه الكلمات بصوت مرتعش : " أستحلفكِ يا رفيقتي بالعواطف التي ضمّت نفسينا مذ كنـّا صغيرتين . أستحلفكِ بكلّ ما هو عزيز لديكِ في هذه الحياة . أستحلفكِ بمخبآتِ صدركِ . أستحلفكِ بالحبّ الذي يلامس أرواحنا و يعلها شعاعاً . أستحلفكِ بأفراح قلبكِ و أوجاع قلبي أن تذهبي الآن إلى سليم و تطلبي إليه أن ينزل خفية إلى الحديقة و ينتظرني هناك بين أشجار الصفصاف . تضرّعي إليه عني يا سوسن حتى يجيب طلبي . ذكّريه بالأيّام الغابرة ، توسّلي إليه بإسم الحبّ ، قولي له هي تعسة عمياء ، قولي له هي مائتة تريد أن تفتح قلبها أمامك قبل أن يكتنفها الظلام ، قولي له هي هالكة شقـيّـة تريد أن تعترف بذنوبها و تلتمس عفوك ، أسرعي إليه و ابتهلي عني أمامه و لا تخافي مراقبة هؤلاء الخنازير لأن الخمور قد سدّت آذانهم و أعمت بصائرهم .

فقامت سوسن من جانب العروس و جلست بقرب سليم الكئيب المنفرد وحده و أخذت تستعطفه هامسة في أذنه كلمات رفيقتها و دلائل الودّ و الإخلاص بادية على ملامحها و هو منحني الرأس يسمع و لا يجيب ببنت شفة . حتى إذا ما انتهت من كلامها نظر إليها نظرة ظامئ يرى الكأس في قبّة الفلك ، وبصوت منخفض تخاله آتياً من أعماق الأرض أجابها قائلاً : " سأنتظرها في الحديقة بين أشجار الصفصاف". قال هذه الكلمات قام من مكانه و خرج إلى الحديقة .

تمضِ بضع دقائق حتى قامت العروس و اتبعته مختلسة خطواتها بين رجال فتنتهم ابنة الكروم و نساء شغلت قلوبهن صبابة الفتيان . و لما بلغت الحديقة الموشاة بأثواب الليل أسرعت ملتفتة إلى الوراء . و مثل غزال جازع هارب إلى كناسه من الذئاب الخاطفة تقدّمت نحو أشجار الصفصاف حيث وقف ذلك الفتى .و لما رأت نفسها بجانبه ترامت عليه و طوّقت عنقه بزنديها و حدقت إلى عينيه ثمّ قالت و الألفاظ تتسارع من شفتيها بسرعة الدموع من أجفانها : " اسمعني يا حبيبي . اسمعني جيداً . ها قد ندمت على جهالتي و تسرّعي . قد ندمت يا سليم حتى سحقت الندامة كبدي . أنا أحبك و لا احب سواك و سوف أحبك إلى منتهى العمر . قد اخبروني بأنك سلوتني و هجرتني و تعلقت بهوى غيري . أخبروني بكلّ ذلك يا سليم و سمـّموا قلبي بألسنتهم و مزقوا صدري بأظافرهم و ملأوا نفسي بكذبهم . قد أخبرتني نجيبة بأنك سلوتني و كرهتني و انشغفت بحبها . قد ظلمتني تلك الخبيثة و احتالت على عواطفي لكي أرضى بنسيبها عريساً ، فرضيته يا سليم و لا عريس لي سواك.

و الآن ، و الآن قد رفع الغشاء عن عيني فجئت إليك . قد خرجت من هذا المنزل و لن أعود إليه . قد جئت لكي أضمـّـك بذراعي و لا توجد قوّة في هذا العالم ترجعني إلى ذراعي الرجل الذي زففت إليه كرهاً و يأساً . قد تركت العريس الذي اختاره لي الكذب بعلاً , و تركت الوالد الذي أقامه القدر وليّاً ، و تركت الزهور التي ضفرها الكاهن إكليلاً ، و تركت الشرائع التي حبكتها التقاليد قيوداً . قد تركت كلّ شيء في هذا المنزل المملوء بالسكر و الخلاعة و أتيت لأتبعك إلى أرض بعيدة ، إلى أقاصي العالم ، إلى مكامن الجن ، إلى قبضة الموت . تعال نسرع يا سليم من هذا المكان متسترين بوشاح الليل . هلمّ نسير إلى الساحل و نركب سفينة تحملنا إلى بلاد بعيدة مجهولة . تعالَ نمشي الآن فلا يجيء الفجر إلا و نحن في مأمن من أيدي العدو . انظر ، انظر هذه الحلى الذهبيـّة و هذه القلائد و الخواتم الثمينة ، و هذه الجواهر النفيسة ، فهي تكلفا مستقبلنا و تكفي لنعيش بأثمانها كالأمراء ... لماذا لا تتكلـّم يا سليم ؟ لماذا لا تنظر إليّ ؟ لماذا لا تقبـّلني ؟ أسامع أنت صراخ قلبي و عويل نفسي ؟ ألا تصدّق أنـّي هجرت عريسي و أبي و أمّي وجئت بأثواب العرس لكي أهرب معك ؟ تكلـّم أو هلمّ نسرع فهذه الدقائق اثمن من حبّـات الألماس و أغلى من تيجان الملوك ."

كانت العروس تتكلـّم و في صوتها نغمة أعذب من همس الحياة و أمرّ من عويل الموت و ألطف من حفيف الأجنحة و أعمق من أنين الأمواج , نغمة تتموّج نبضاتها بين اليأس و الأمل ، و اللـّذة و الألم ، و الفرح و الشقاء ، و كلّ ما في صدر المرأة من الميول و العواطف .

أمّـا الشاب فكان يسمع و في داخل نفسه يتصارع الحبّ و الشرف : ذلك الحبّ الذي يجعل الوعر سهلاً ، و الظلام نوراً ، و ذلك الشرف الذي يقف أمام النفس ، و يثنيها عن رغائبها و منازعها . ذلك الحبّ الذي ينزله الله على القبل ، وذلك الشرف الذي تسكبه تقاليد البشر في الدماغ .

و بعد أحيان خرساء هائلة شبيهة بالأجيال المظلمة التي تتمايل فيها الأمم بين النهوض و الاضمحلال, رفع الشاب رأسه و قد تغلـّب شرف نفسه على ميلها و حوّل عينيه عن الصبية الخائفة المترقبة وقال بهدوء : " ارجعي أيّـتها المرأة إلى ذراعي عريسكِ فقد قضي الأمر و محت اليقظة ما صورته الأحلام , أسرعي إلى أحضان المسرّات قبل أن تراكِ أعين الرقباء فيقول الناس قد خانت عريسها في ليلة العرس مثلما خانت حبيبها أيّـام البعاد . "

فارتعشت العروس لهذه الكلمات و تململت كزهرة ذابلة أمام الريح ثمّ قالت متوجّعة : " لا أعود إلى هذا المنزل و بي رمق من الحياة . قد رجت منه إلى الأبد . قد تركته و كلّ من فيه مثلما يترك الأسير أرض المنفى . فلا تبعدني عنك و لا تقل إنـّـني خائنة ، لأن يد الحبّ التي مزجت روحي بروحك هي أقوى من يد الكاهن التي أسلمت جسدي إلى مشيئة العريس . ها قد طوّقت ذراعيّ حول عنقك فلا تحلهما القوات و قرّبت نفسي إلى نفسك فلا يفرقهما الموت .

فقال الشاب محاولاً الخلاص من ذراعيها متكلـّـفاً إظهار المقت و الاشمئزاز : " ابتعدي عني أيّـتها المرأة فقد سلوتكِ ، نعم سلوتكِ و كرهتكِ و تعلـّقتُ بهوى غيركِ ، فلم يقل الناس غير الصحيح . هل سمعتِ ماذا أقول ؟ قد سلوتكِ حتى نسيتُ وجودكِ و كرهتكِ حتى أبتْ نفسي مرآكِ ، فابتعدي عني و دعيني أذهب في سبيلي ، و عودي إلى عريسكِ و كوني له زوجة أمينة . "

فقالت الصبية متفجعة : " لا . لا أصدّق كلامكَ ، فأنت تحبّـني و قد قرأت معنى الحبّ في عينيك و شعرت بملامسه عندما لمست جسدك . أنت تحبّـني و تحبّـني و تحبّـني مثلما أحبّـك ، فأنا لا أترك هذا المكان إلا بجانبك و لن ادخل هذا المنزل و في نفسي بقيـّـة من الإرادة . قد جئت لأتبعك إلى آخر الأرض ، فسر أمامي و ارفع يدك و اهرق دمي . "

فقال الشاب و قد رفع صوته عن ذي قبل : " اتركيني أيّـتها المرأة و إلا صرخت بأعلى صوتي و جمعت في هذه الحديقة أولئك الناس المدعوين إلى أفراح عرسكِ و أريتهم عاركِ و جعلتكِ مضغة ً مرّة ً في أحناكهم و مثلاً قبيحاً على ألسنتهم و أوقفتُ نجيبة التي أحبّها قلبي تسخر بكِ و تبتسم فارحة بانتصارها مستهزئة بانغلابكِ . "

قال هذا و أمسك بذراعها لبعدها عنه فتغيّرت ملامحها و أبرقت عيناها و تحوّلت بكلـّيتها من الاستعطاف و الرجاء و التوجّع إلى الغضب و القساوة و صارت كلبوةٍ فقدت أشبالها أو كبحر ٍ أثارت أعماقه الزوابع ثمّ صرخت : " من هي التي تتمتـّع بحبّـك بعدي و أي قلب يسكر بقبل شفتيك غير قلبي ! "
لفظت هذه الكلمات و انتشلت من بين أثوابها خنجراً سنيناً و أغمدته بصدره بسرعة البرق ، فهوى و سقط على الأرض كغصن ٍ قصفته العاصفة ........

فانحنت فوقه و الخنجر في يدها يقطر دماً ، ففتح عينيه المغمورتين بظل الموت ، و ارتعشــت شـــفتاه و خرجت هذه الكلمات مع أنفاسه الضعيفة : اقتربي الآن يا حبيبتي . اقتربي يا ليلى ولا تتركيني . الحــياة أضعف من الموت و الموت أضعف من الحب . اسمعي اسمعي قهقهة الفارحين بعرسك ... اسمعي رنين كؤوسهم يا حبيبتي ... لقد أنقذتني يا ليلى من قســـاوة هذه القهقهة و مرارة تلك الكؤوس ... فدعيني أقبّل الـيد التي كســـرت قيودي .... قبّليني ... قبّليني فإن شـــفتي تكلفتا الكذب و اخفتا أســـرار قلبي ، أغمضي أجفاني الذابلة بأصابعك المغموســـة بدمي ، و عندما تطير روحـي في الفضـاء ضعي الخنجــر في ..............

وعندما تطير روحي في الفضاء ضعي الخنجر في يميني و قولي لهم قد انتحر يأساً و حسداً , قد أحببتك يا ليلى و لم أحب سواك ولكنني رأيت تضحية قلبي و سعادتي و حياتي أفضل من الهرب بك في ليلة عرسك قبليني يا حبيبة نفسي قبل أن يرى الناس جثتي ... قبليني قبليني يا ليلى
ووضع المصروع يده فوق قلبه المطعون ولوى عنقه وفاضت روحه !




فرفعت العروس رأسها و التفتت نحو المنزل وصرخت بصوت هائل : تعالوا تعالوا أيها الناس فهنا العرس و هذا العريس هلموا لنريكم مضجعنا الناعم و استيقظوا أيها النيام و انتبهوا أيها السكارى و اسرعوا لنريكم أسرار الحب و الموت والحياة.

تموج صراخ العروس في زوايا ذلك المنزل حاملا كلماتها إلى آذان المحتفلين المغتبطين فارتعشت أرواحهم و أصغوا كأن هنيهة كأن الصحوة قد باغت نشوتهم ثم تراكضوا مسرعين من أبواب المنزل ومخارجه وساروا متلفتين يمينا وشمالا حتى إذا ما رأوا جثة المصروع والعروس الجاثية قربها تراجعوا مذعورين إلى الوراء ولا أحد منهم يجسر على استقصاء الخبر كأن منظر الدماء المنبعثة من صدر القتيل و لمعان الخنجر في يد العروس قد عقد ألسنتهم و أجمد الحياة في أجسامهم.

فالتفتت العروس إليهم و قد اتشحت ملامحها بهيبة محزنة وصرخت قائلة : اقتربوا أيها الجبناء ولا تخافوا خيال الموت فهو عظيم لا يدنو من صغارتكم اقتربوا ولا ترتجفوا جزعاً من هذا الخنجر فهو آلة مقدسة لا تلامس أجسادكم القذرة وصدوركم المظلمة , انظروا هذا الفتى الجميل المتسربل بحلة العرس هو حبيبي و قد قتلته لأنه حبيبي هو عريسي وأنا عروسته و قد بحثنا فلم نجد مضجعا يليق بعناقنا في هذا العالم الذي جعلتموه ضيقا بتقاليدكم و مظلماً بجهالتكم وفاسدا بلهاثكم ففضلنا الذهاب إلى ما وراء الغيوم اقتربوا أيها الضعفاء الخائفون وانظروا لعلكم ترون وجه الله منعكسا على وجهينا و تسمعون صوته العذب منبثقا من قلبنا أين هي تلك المرأة الخبيثة الحسود التي وشت إلي حبيبي وقالت أنه شغف بها وسلاني وتعلق بحبها لينساني ؟ قد توهمت تلك الشريرة أنها ظفرت عندما رفع الكاهن يده فوق رأسي و رأس نسيبها , أين نجيبة المحتالة ؟ أين تلك الأفعى الجهنمية ؟ دعوها تقترب الآن و ترى أنها قد جمعتكم لتفرحوا بعرس حبيبي و ليس بعرس الرجل الذي اختارته لي ....

أنتم لا تفهمون كلامي , لأن اللجة لا تعي أغاني الكواكب . ولكنكم سوف تخبرون أبنائكم عن المرأة التي قتلت حبيبها ليلة عرسها . سوف تذكروني وتلعنونني بشفاهكم الاثيمة , أما أحفادكم فسوف يباركونني لآن الغد سيكون للحق و الروح .

وأنت أيها الرجل الغبي الذي استخدم الحيلة والمال و الخباثة ليصيرني له زوجة , أنت رمز الأمة التعسة التي تبحث عن النور في الظلمة و تترقب خروج الماء من الصخرة , و ظهور الورد من القطرب أنت رمز هذه البلاد المستسلمة لغباوتها استسلام الأعمى إلى قائده الأعمى , أنت ممثل الرجولة الكاذبة التي تقطع العناق و المعاصم توصلاً إلى العقود والاساور . أنا اغتفر لك صغارتك , لأن النفس الفارحة بذهابها من هذا العالم تغتفر جميع زلات هذا العالم .

حينئذ رفعت العروس خنجرها نحو العلاء , ونظير ظامىء يقرب حافة الكأس إلى شفتيه و أغمدته بعزم في صدرها و هبطت بجانب حبيبها نظير زنبقة قطع عنقها حد المنجل , فتململت النساء و صرخن صراخ الخوف و الألم و أغمي على بعضهن و تصاعد ضجيج الرجال من كل ناحية واقتربوا من المصروعين بوجل و هيبة .
فنظرت إليهم العروس المنازعة وقالت و نجيع الدماء ينهل بغزارة من صدرها البلوري : لا
تقتربوا أيها العاذلون ولا تفصلوا بين جسدينا و إن حاولتم فالروح الحائمة فوق رؤوسكم تقبض على أعناقكم و تخنقكم بعنف و قساوة . دعوا هذه الأرض الجائعة تلوك جسدينا لقمة واحدة , دعوها تخفينا و تحمينا في صدرها مثلما تحمي البذور من ثلوج الشتاء حتى يجيء الربيع .

ولزت العروس إلى حبيبها و ألقت شفيتها على شفتيه الباردتين و خرجت هذه الكلمات المتقطعة مع أنفاسها الأخيرة : انظر يا حبيبي انظر يا عريس نفسي كيف وقف الحساد حول مضجعنا انظر عيونهم المحدقة الينا , واسمع صرير أسنانهم و تكسر ضلوعهم قد انتظرتني طويلاً يا سليم فها أنا ذا قد كسرت القيود وفككت السلاسل فلنسرع نحو الشمس فقد طال وقوفنا في الظل ها قد امحت الرسوم و احجبت الاشياء فلم أعد أرى سواك يا حبيبي .....

فلنسرع نحو الشمس فقد طال وقوفنا في الظل . ها قد أمحت الرسوم و انحجبت الأشياء فلم أعد أرى سواك يا حبيبي . ها شفتاي فاقتبل أنفاسي الأخيرة . هلم نذهب يا سليم ، فقد رفع الحب أجنحته و سبح أمامنا نحو دائرة النور . وألقت العروس صدرها على صدر حبيبها فامتزجت دماؤها بدمائه و حنت رأسها على عنقه و ظلت عيناها محدقتين إلى عينيه ....... و لبث الناس صامتين هنيهة و قد اصفرت وجوههم و تراخت ركبهم ، كأن هيبة الموت قد سلبتهم القوة و الحراك . فتقدم إذ ذاك الكاهن الذي ضفر بتعاليمه أكاليل ذلك العروس و أشار بيمينه نحو القتيلين و نظر نحو القوم المذهولين و خاطبهم بصوت خشن قائلاً : ملعونة هي الأيدي التي تمد إلى هذين الجسدين الملطختين بدماء الجريمة و العار . و ملعونة هي الأعين التي تذرف دموع الحزن على هالكين قد حملت الأبالسة روحيهما إلى الجحيم . لتبق جثة ابن سادوم و جثة ابنة عمورة مطروحتين على هذا التراب الدنس المجبول بدمائهما حتى لحمانهما الكلاب و تذري عظامهما الرياح . اذهبوا إلى مساكنكم أيها الناس و اهربوا من الرائحة المنتنة المتصاعدة من داخل قلبين جبلتهما الخطيئة و سحقتهما الرذيلة . تفرقوا أيها الواقفون بقرب هاتين الجيفتين ، وانصرفوا مسرعين قبل أن تلسعكم ألسنة النار الجهنمية ، ومن يبق منكم ههنا يكن محروماً و مرذولاً فلا يدخل الهيكل الذي يركع فيه المؤمنون ، ولا يشترك بالصلاة التي يقدمها المسيحيون !

فتقدمت سوسان ، تلك الصبية التي بعثتها العروس رسولاً إلى حبيبها ، ووقفت أمام الكاهن و نظرت إيه بعينين مغرورقتين بالدموع و قالت بشجاعة .......

أنا أبقى هنا أيها الكافر الأعمى ، و أنا أحرسهما حتى يجيء الفجر ، و أنا أحفر لهما قبراً تحت هذه الأغصان المتدلية ، فإن منعتم عني محفراً مزقت صدر الأرض بأصابعي ، و إن ربطتم ساعدي حفرته بأسناني . أسرعوا بالخروج من هذا المكان المملوء برائحة البخور و اللبان ، فالخنازير تأبى استنشاق العطور الذكية ، واللصوص الخاطفة تهاب رب البيت و تخشى قدوم الصباح . أسرعوا إلى مضاجعكم المظلمة لأن أغاني الملائكة المتموجة فوق شهيدي الحب لا تدخل آذانكم المسدودة بالتراب......

و تفرق الناس من أمام وجه الكاهن العبوس و لبثت تلك الصبية واقفة بقرب الجثتين الهامدتين كأنها أم رقوب تحرس طفليها في سكينة الليلزز
و لما توارى الجمع و خلا ذلك المكان استسلمت للبكاء و النحيـب ..




انتهت



 

رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd SmartServs
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
الحقوق محفوظة لموقع البيت اللبناني

منتديات البيت اللبنانى