منتديات البيت اللبنانى  

 


العودة   منتديات البيت اللبنانى > المكتبة الادبية > اشهر ادباء الغرب
اشهر ادباء الغرب ادباء اوروبا,ادباء روس,
التسجيل روابط مفيدة قائمة الأعضاء البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-05-2016, 08:19 PM   #1
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 07-05-2017 (03:37 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي الكاتب الروسي ليف تولستوي



الكاتب الروسي ليف تولستوي (ليف نيقولايفتش تولستوي) .







ولد ليو تولستوي في مقاطعة تولا ، روسيا في يوم 9 سبتمبر عام 1828 ، . في 1860 ، قام بكتابة أول رواياته الكبيرة عن الحرب والسلام ، وقام بالعديد من الكتابات حتى توفي تولستوي في 20 نوفمبر 1910 في Astapovo ، روسيا .
كان الكاتب ليو تولستوي هو أصغر أخواته الأربعة الأولاد . في عام 1830 ، توفيت والدة تولستوي ، الأميرة Volkonskaya ،وتولى ابن عم والده رعاية الأطفال . عندما توفي والدهم ، الكونت نيكولاي تولستوي ، وبعد سبع سنوات فقط ، تم تعيين عمتهم الواصي القانوني .
تلقى تولستوي تعليمه الابتدائي على أيدي مدرسين الفرنسية والألمانية . في عام 1843 ، التحق في برنامج اللغات الشرقية في جامعة قازان . فشل تولستوي كطالب ، حتى غادرجامعة قازان في عام 1847 ، بدون شهادة . وبدأ في أعمال الكتابة .


وترك (ليف) الجامعة إلى مزرعته (ياسنا باليانا) عام 1847، وهو أشد ما يكون عزوفاً عن جو الجامعة، وعوّل على الاتصال بالشعب الفلاح، ففتح مدرسةً، لأبناء الفلاحين، تلك هي البذرة الأولى من بذور التمرد على النظام الاجتماعي الجائر السائد، ولكن (تولستوي) مني بالخيبة من فلاحيه الذين لم يفهموه، فهجر مزرعته ومضى إلى (موسكو)، ليستأنف حياة صاخبة ويشعر مرة أخرى، باحتقار لنفسه، ويبلو صراعاً داخلياً يمزّق روحه، ويغادر (موسكو) إلى (القوقاز) ليجد في الجندية ملاذاً لروحه القلقة الهيمى، واستبدّت به، ثمة، عاطفةٌ دينيةٌ، فكان دائم الابتهال والصلاة، وفي عام 1852 نوّرت عبقرية (تولستوي) فكتب مؤلفه الأول (طفولة) ويشوب هذا الكتاب مسحة من الحزن الدفين الذي كان يضطرم في أعماق روحه، لقد كان يقول عن نفسه بحق: إنه (ليوفا) النواحة: ( ليوفا ريوفا).

وأهلّ بعد كتابه هذا، كتاب ( الصبا ) ، وفيه تحليل ووصف بارع للطبيعة، وكتب قصصاً عن (القوقاز) وفيها لوحات مؤشاة بالألوان، تترقرق فيها دعوة مخلصة إلى السلم، دعوة تمهّد الدرب لصيحته المقبلة المدويّة ضد العنف والحرب، يقول:

" ألا يستطيع البشر أن يعيشوا في طمأنينة، في هذا العالم البديع، تحت قبة السماء الرحيبة المطرّزة بالنجوم، إن كل ما يمور في قلب الإنسان من شر ينبغي أن يمّحي ويزول حين يفرغ إلى الطبيعة، هذا المجلى المباشر الصحيح للجمال والخير".

وفي عام 1853 أعلنت ( روسيا ) الحرب على (تركيا ) وطلب (تولستوي) أن ينقل إلى جبهة (القرم) ، ليقوم بواجبه الوطني، وقدم إلى (سيباستوبول) وتعرّض أكثر من مرةٍ للخطر، وكتب، ثمة، ثلاث قصص عن (سيباستوبول) تتّسق فيها روح البطولة وتهيمن في طورها زفراتٌ، حتى قيل إن القيصرة أسبلت الدموع من مآقيها حين اطلّعت عليها، فأمر القيصر بأن تترجم القصص إلى الفرنسية تقديراً لها، وأن يكون كاتبها بمنحىً من أيّ خطر.

ولما انتهت الحرب عاد (تولستوي) إلى (بطرسبورغ) وقد سبقته شهرته على أنه كاتب ناجح، وفي هذه المدينة الكبيرة، توطّدت معرفته بعدد وافٍ من الأدباء، ولكنه لم يسغ صحبتهم إذ لم يكن يرى في حياتهم المتكلّفة سوى النفاق والدجل، وآثر الابتعاد عن هذا الوسط، لينصرف إلى المطالعة ويكتب في دفتر مذكراته " أشعر بحاجة مُلحّة إلى أن أعرف ثم أعرف ثم أعرف".

واستقال من منصبه العسكري، فقد كان يلوب على أفق يرضي نفسه التواقة إلى المعرفة، وسافر إلى فرنسا، وانفسح أمام عينيه، أفق جديد مثير.

وشاهد في (باريس) بعض المسرحيات، وتردد على (السوربون) وعبّ من المعرفة، في ظمأ متقد متصل، والتقى في (باريس) بصديقه (تورغينيف)، وكتب هذا إلى صديق:

"إن (تولستوي) يرامق كل شيء ، صامتاً، لقد أضحى أكثر ذكاء، إنه الأمل الوحيد لأدبنا".

وجال (ليف) في مرابع (باريس) ومتاحفها ومغانيها، وكتب إلى صديقه (كولباسين):

" أرى هنا أشياء مستحبة طريفة، ولكن السحر المهم هنا، السحر الذي يشدّك هو الشعور بالحرية".




ولكن الألم كان يترصد له في (باريس) فقد أثر في أعصابه منظر إعدام مجرم بالمقصلة، فغادرها سريعاً إلى (سويسرا) وفي (لوتسرن) أحسّ بغصة تهصر روحه، وهو يرى إلى مغنٍ إيطالي فقير، يستجدي، عبثاً، بعض الانكليز الأغنياء، فيزوون أبصارهم عنه ازدراءً. رباه! إن الشقاء ليرنّق فوق كل أرض.
ومضى (ليف) إلى (إيطاليا)، ثم عاد إلى (سويسرا) ولجّ له الحنين لى وطنه، فرجع إلى بلده الحبيب وقد قامت في ذهنه مشروعاتٌ جمةٌ لإصلاح أوضاع فلاحيه، واشترك مع بعض الأدباء بالمطالبة بإلغاء القنانة، ثم سافر إلى أوربا، ليزور أخاه (نيقولا) المريض، في (سودف) ويتخذا سمتهما إلى (هيير) في فرنسا، وهناك يموت أخوه بالسلال، فيهز هذا الحادث نفسه ويزعزع إيمانه بربه وبالخير وبالبشر. ثم يؤوب إلى روسيا ليستأنف نشاطه الأدبي والاجتماعي، ويعيد فتح مدرسته لتعليم أولاد الفلاحين.
وكتب (تولستوي) قصة (سعادة الأسرة) وهي من أكثر قصصه رقة وعذوبة، ولعل معجزة الحب هي التي قادت ريشته المبدعة إلى كتابتها، فقد أحب (صوفيا أندرييفنا بيرس)، وكانت في السابعة عشرة من عمرها، تجمع إلى نضرتها حلاوة الحديث وكلفاً بالأدب، وفي عام 1862 ، بنى بها وابتدأت حياتهما المشتركة التي رزقت ثلاثة عشر ولداً.

وأمدته (صوفيا) بمعان جديدة من الحب، سلسلها في رواياته، كأبرع روائي روسي حلل نفسية المرأة، وكانت زوجته تعينه في عمله، إذ كان خطه رديئا، فنقلت له مخطوطات رواياته، بخطها الجميل المتقن، ليبعث بها إلى ناشريه، وكثيرا ما كان يملي عليها فتكتب له، وقد صورها في شخصية (ناتاشا) في روايته المقبلة (الحرب والسلام)، كما جلا بعض ملامح طبعها في شخصية (كيتي) في روايته (آنا كارينيا) وعرف معها (تولستوي) هناءة الحياة الزوجية.





وألفت الحكومة الروسية أن في مدرسته التي أنشأها خطرا على الأمن فأمرت بإغلاقها، فانصرف (تولستوي) إلى تأليف روايته العظيمة (الحرب والسلم)، التي رفعته إلى قمة المجد، وقد كتبها في نشوة متصلة واندفاع مُضرم، خلال خمس سنوات. كتبت (صوفيا) في مذكراتها:




"إن (ليف) يكتب ، في نشوةٍ عارمةٍ، تتخللها الدموع".

ولعل روايته هذه توضع في قرن واحد مع أروع التراث الأدبي الإنساني، إنها (الياذة) العصر الحديث – كما يصفها (رومان رولان) – وتمتاز ، على ما فيها من وفرة الشخصيات وتعدد الحوادث، بوحدة فنية وتماسك وانسجام، وقد أخذ على (تولستوي) أنه حشد في الفصل الأخير منها آراءه الأخلاقية وكررها إلى حد الاملال، بيد أنه قد تسنى له أن يجلو الروح الروسية في عفوية صادقة مخلصة وأن يبرع في تصوير مآسي الحرب على نحو يكاد يكون معجزاً. يقول (رومان رولان):

"لقد أجاد في تصوير غزوة جيوش نابوليون لورسيا، حتى يخيل إليك أن أبطال روايته هم الشعوب المقاتلة، تتوارى خلفها بعض الشخصيات، كما تتوارى الآلهة خلف أبطال (هومير)".

وانه ليستوقفك تصويره ووصفه الدقيق للشعب الطيب، فتحب شخصية (كاراتايف) يسرد لك آراءه، مستسلماً، مؤمناً، صابراً، حتى إذا أدركه الموت، تلقاه بابتسامة راضية. إنه إنسان الشعب يعكس صورة مخلصة أمينة عن المسيح الإنسان.

في هذه الرواية صرخات مؤمنة، هتف بها (تولستوي) ضد الحرب، ولعلها ظلت كامنة في أعماق نفسه، منذ أن بلا ويلات الحرب في جبهة (القرم) حتى وجدت متنفساً لها في روايته هذه فانبجست ، وتفجرت، جياشة مدويةً هدارةً.




وما كادت تنتهي روايته هذه ، حتى بدأت نُذُرٌ جديدة في حياته، تقلب راحته إلى قلق، إن قلبه ليتفطر أسىً على شعبه، وإنه ليريد أن يقدم إليه المعرفة، ويبدأ بكتابة (ألف باء الشعب) منصرفاً إليه بهمه لا تتقاصر عن همته في كتابة روايته (الحرب والسلم)، ولم يكد ينتهي منه حتى شرع في كتابة رواية (آنا كارينينا)، هذه الرواية التي تيسر له فيها أن يصور عاطفة المرأة أدق تصوير، وأن ينقد مجتمعه نقدا عنيفا، وقد استوحى موضوع روايته من حادث جرى غير بعيد عن (ياسنا باليانا) فقد قذفت فتاة تدعى (آنا ستيبانفنا) نفسها تحت عجلات قطار، يائسة من حبيب غادر، وكذلك انتهت الرواية بجملة مؤثرة:
" وحنا ذلك الفلاح على عجلات القطار، ليرى أشلاء شيء. إنها جثة كانت تمتلئ حياة وعذاباً وخيانة".
وعاودت (تولستوي) همومه ووساوسه، وحكّ في صدره شك قلق متصل، فقد تناهت إلى سمعه ذات مرة، جملة صغيرة عابرة، قالها فلاح بسيط من (ياسنا باليانا)، وتألقت شرارة صغيرة ، لتؤرّث ناراً مضرمة في مضطرب روحه، جملة بسيطة معبرة، ترفقت من شفتي (فيودور) الفلاح الساذج، كما يلي:


"ثمة أناس يعيشون من أجل البطن وآخرون من أجل الروح".

وعصفت هذه الجملة في كيان (تولستوي) ومضى يضرب في الغابة مستعبراً، مردداً:
- بلى، لقد عرفت ، لقد عرفت.
كان (تولستوي) في قمة مجده، حين ألمت به هذه الأزمة الروحية العنيفة، فقد استقبل الناس مؤلفاته بإعجاب لم يظفر به أي كاتب روسي قبله، ولقد دعاه (دستويفسكي) حين قرأ روايته (آنا كارينينا) : رب الفن. ولكن هذا المجد لم يكن ليثمل (تولستوي) أو يهزه فقد أضحى الثناء يؤذيه ويؤلمه، كتب إلى صديق له:

"لقد كان (باسكال) يشدّ إلى خصره زناراً من مسامير، كلما أنس بأن الإطراء قد أشاع السرور في عطفيه، وأحسبني محتاجاً إلى زنار مماثل".

بلى، لقد كان (تولستوي) مشغولا بأشياء أخرى غير المجد والثناء.
لقد أضناه سؤال ملحاح: لماذا أعيش؟ وما معنى حياتي؟ وكان الجواب يوافيه أحياناً قاسيا: إن كل شيء عبث وباطل وقبض الريح.
كتب ذات مرة:

"إن المرء لا يتأتى له أن ينفذ إلى أغوار الإنسان، ولا أن يظفر بصورته المنشودة في منفسح المعارف التي تخلص إليه وتتسق لديه، ولكنه يجد صورةً وافية عن ذاته في الأسئلة التي يطرحها".


وكذلك ترادفت أسئلته، دائبةً متصلة...



وانصرف (تولستوي) إلى العلوم يبحث وينقّر، لعله أن يعثر على جواب عن أسئلته التي كانت تضنيه وتجاذب ذهنه فلم يجد فيها ما ينقع الغلّة. إن هذه العلوم تعتبر الإنسان جزءاً صغيراً تافهاً يجرفه تيار التطور، سواء شاء أ، ينقاد له أو أن يصده، فعلام إذن نفزع إلى هذا السؤال المحيّر: كيف ينبغي أن نعيش؟

فإذا التمسنا فلسفة ما وراء الطبيعة لنجد لديها أجوبة عن الأسئلة: من أين أتت الطبيعة وما أصل الحياة؟ وماذا ينبغي أن نفعل؟ تراخت الأسئلة إلى الإخفاق والعجز عن الجواب. ترى أيكون معنى ذلك أن الحياة عبثٌ لا طائل منها؟ ترى أيكون من الحكمة أن نتخلّى عنها؟.

لقد انهدّ السؤال على روحه المعذبة كقطرة مدادٍ. بلى، إنها القطرة نفسها في المكان نفسه، وهي لا تني تتساقط لتشكل بقعة سوداء تماثل وهدةً حالكةً تغريه بأن يتردى في قرارتها يائساً منتحراً.

وجعل الشك يجاذبه على نحو أضحى معه يفرق من الذهاب إلى الصيد، لئلا تغريه نزوةٌ عارضةٌ يستسهل فيها الشد على زناد بندقيته وتصويب فوّهتها إلى رأسه.

وأفضى تساؤله الدائب إلى أن العدم فكرةٌ فارغةٌ وتجريدٌ عقيمٌ وأنه لا يمكن إغراق الأنا في العدم وأن الموت ليس سوى مرحلة انتقال إلى الخلود الكامن في ذاتنا، وأن الله ليس إلا معين الحياة الخالدة المتدفقة في أعطافنا. وكذلك تناهت أفكاره الميتافيزيكية إلى ما يشبه فكرة الحلول التي تؤمن بالله ولا تنفيه ولكنها تجده في ذات الإنسان نفسه، أما الإيمان الحقيقي فهو إيمان الشعب الساذج البريء من التكلف. إن الشعب البسيط يتراءى سعيدا بإيمانه دون أن يضنيه عذاب الشك. إنه هو وحده يملك معنى الحياة الذي يتشوّف إلى معرفته، وعلينا إذن أن نتعلم من الشعب كيف نرضى بالحياة، ولكن الرضا القانع وحده لا يكفي، إن الإنسان الذي توفرت له الثروة والمجد لا يتأتى له أن يحتفظ بهما، فهما دوماً إلى ضياع وزوال، فكأن الإنسان معلق بغصن، في غيابة بئر، يقبع في قعرها وحشٌ ضارٍ متحفز لالتهامه، وتسعى إلى أسفل الغصن فأرتان: سوداء وبيضاء – لعله رمز بهما إلى الليل والنهار – لتقرضا أسفل الغصن ، وقد يتاح لهذا الإنسان المعلق في فضاء البئر أن ينسى الخطر الذي دفع إليه، ليشغل نفسه بلذاذات عابرة، فيشتار عسلا، قد يجده على الغصن، أو يجني ثمرة تعطو إليها يده، ولكن النهاية المحتومة قادمة لا ريب فيها.

إن الإنسان الذي ينسى ذاته ويهفو إلى سعادة الآخرين يجد سعادته الحقيقة مندغمة بسعادتهم، وليست التضحية بعسيرة. انظر إلى الطائر كيف يبسط جناحيه ليتعلم كيف يطير، إنه ينغمس بالحياة التي وهبت له. لقد خلق الإنسان للمحبة ليسمو بها، كالطائر الذي نبت جناحاه ليدفّ بهما ويحلق ويستمرئ على غوارب النسيم حياته الهنيئة.

المحبة إذن هي توأم الإنسانية كلها، ويتسلسل من هذا المعنى، أن الله هو في المحبة وأن المحبة هي في الله.

ودرس (تولستوي) التوراة، بعد أن عكف على تعلم العبرية واليونانية، ليتّسق له أن يطلع على المنبع الذي صدرت عنه مختلف ترجمات العهد القديم والعهد الجديد. فقارن بعضها ببعض وأشار إلى الغموض الذي يحيط ببعض النصوص الدينية وما نتج عن ذلك من تفسيرات متناقضة وانتهى إلى القول أن المسيح نفسه، ليس بإله، ولا يمكن أن يكون سوى انسان بريء من السمة الإلهية التي يقرن إليها. وهاجم (تولستوي) الطقوس الدينية، واتهمها بأنها موضوعة مزيفة، ونظر إلى الكنيسة نظرة تحدٍ ومناجزة، فقد رأى كيف تغلّف القشور الكاذبة فكرة الإيمان، وشرع يفوّق سهامه اللاذعة إلى الكنيسة داعياً إلى دين منزه عن التمويه والتضليل.

وتكمن ، في الواقع ، لدى (تولستوي) شخصية المفكر المصلح إلى جانب شخصية الكاتب الفنان، ومن النقاد من أشار إلى شخصيات شتى مؤتلفة لديه يرفد بعضها جوانب بعض. ويصاول بعضها بعضها الآخر. على أنه يمكن أن يوضع في قَرَنٍ واحدٍ مع كبار المصلحين والمفكرين في تاريخ الإنسانية. ولقد كان يتوق هو نفسه إلى أن يضحي ذا رسالة دينية اجتماعية، فقد كتب في مذكراته ذات مرة:

" لقد قادتني دراستي للإلهيات إلى فكرة سامية ينبغي أن أقف عليها حياتي كلها، هذه الفكرة هي إنشاء دين جديد يتفق مع تطور الإنسانية ودين المسيح ولكنه بريء من الإبهام، إنشاء دين عملي، لا يَعِدُ بسعادة في حياة أخرى مقبلة، بل يمنحها على هذه الأرض".

وكذلك انسربت حياة (تولستوي) في النهج الجديد الذي ارتضاه لها، كتب في كتاب اعترافاته يقول:

"لقد شعرت أنا الرجل السعيد ، الممتلئ صحة أنه لم يعد في ميسوري أن أستمرئ العيش، ولم أكن قد تجاوزت ، آنذاك، الخمسين من عمري، كانت لدي زوجة ممتازة محبة ومحبوبة، وأولاد أبرار، كنت أحظى بأملاك كبيرة، كانت تزدهر وتتسع دون جهد مني، بيد أنني لم أعد أجد معنى مقبولا لأي عمل في حياتي، فلا يمكن للمرء أن يعيش إلا إذا كان ثملاً بالحياة، حتى إذا انحسرت النشوة تراءى الوهم والسراب الخادع".




وجفا (تولستوي) حياة الترف، فارتدى لباس فلاح فقير وأبى أن يستقل مركبة من (موسكو) إلى (ياسنا بالينا) فمضى منها ماشياً إلى مزرعته، بثيابه الخشنة المهترئة، وصدف عن الخمر والدخان واللحم، وانقلبت همومه النفسية إلى همومٍ اجتماعية، فجعل يزور السجون وأكواخ الفقراء ويرى إلى مظاهر الحرمان والجهل والفقر، في شعبه الطيب.

وأخذت (صوفيا) تراقب زوجها، قلقة، خائفة، وهو يفكر في ويلات الشعب الروسي يئن تحت نير القيصرية، ويكتب (تولستوي) منتقداً ذلك النظام دون هوادة، ثم يتساءل : ترى أين يكمن الشر؟ لعله يكمن في التملك، في استثمار الإنسان لأخيه الإنسان، ينبغي له إذن، أن يوزع أراضيه على فلاحيه، وألقى هذه الحبة الطرية، لتؤتي أكلها، فيما بعد، ثورة كبرى تعصف بالنظام القيصري كله.

ويصارح (تولستوي) زوجته بما يعتلج في صدره . عليه أن يهب أراضيه كلها لفلاحيه ويوزعها عليهم، مستبقيا لنفسه ولأولاده ما يكفيهم ، وتحسب الكونتيسة (صوفيا) أن زوجها قد خولط في عقله، ويزداد قلقها. لا، لا شيء يصرف هذا الكاتب الإنساني العظيم عن مصير شعبه، إنه يبدو وكأن هموم البشر جميعاً توقر كتفيه. وتكتب (صوفيا) في دفتر مذكراتها:

"إن ليف حزين، إنه يبكي أحياناًَ".

وكذلك كان الزوجان، يتعذبان عذاباً مشتركاً، إنه لا يريد أن يتخلى عن رسالته فيكتب:

" أعتقد أنني أوتيت الحياة والفكر والبصيرة لأهدي بها الناس".

ولكنه لا يريد أن يتخلى عن أسرته وأهله فيكتب:

" هؤلاء الذين يعيشون بين ظهرانينا، نراهم كل يوم، من الصباح حتى المساء، هؤلاء الذين يضايقوننا، ويغضبوننا، ويؤلموننا، هؤلاء أحرى الناس بمحبتنا وأجدرهم بالصفح".


ولم يعد (تولستوي) يهتم بالفن والأدب. على ريشته أن تغمس بعد الآن، في مداد الإصلاح والهداية، ويكتب إليه صديقه (تورغينيف) وهو يحتضر رسالة كانت آخر ما سطرته يده وهو على فراش الموت:

"إنني أكتب إليك، لأقول لك: كم أنا سعيد بأن أكون معاصراً لك، ولأطلب إليك طلباً أخيراً، يا صديقي، عد إلى نشاطك الأدبي، أيها الكاتب الأكبر للأرض الروسية، فهلا لبيت رجائي؟".

ولكن (تولستوي) لم يتحول عن النهج الذي اختاره واصطفاه ، فما يزال يقطع الأخشاب ويحرث الأرض مع فلاحيه، ويخصف الأحذية ويصنع بيده لخادمته العجوز حذاء ليقدمه إليها هدية في عيد ميلادها، وتكتب إليه زوجته (صوفيا):

" لا يسعني إلا أن أتالم ، وأنا أرى إليك تبدد قواك الفكرية المبدعة في خصف الأحذية وقطع الأخشاب".

لا،لا، لم تستطع (صوفيا) أن تفهم زوجها وأن تجعل حياتها تنساق في النهج الذي اهتدى إليه وارتضاه، وامتدت ما بينهما هوة من سوء التفاهم، جعلت تتسع وتعمق، يوماً بعد يوم. انتسخ آخر أمل لتولستوي فكتب إلى صديقه:

"ليس في وسعك أن تتصور العزلة التي أعيشها، بين أفراد أسرتي، وأنا أشعر باحتقارهم يحيط بي".

ولكنه لا يأبه لذلك كله، إن أمامه رسالة يريد أن يهبها لجميع القلوب. ويهاجم الفن المزيف بقوله:

"إن على الفنان أن يقول كل ما يمنح الخير للناس، كل ما ينقذهم. إن الفن ينساب إلى حياتنا، فالفن والكلمة، هما آلة التقدم البشري، الفن يهزّ القلوب، والكلمة تهز الأفكار، فإذا شاب أحدهما الشر، فإن المجتمع يضحي مريضاً".


وفي ظل هذه الأفكار السامية كتب قصة (موت إيفان ايليتش) ومسرحية (سلطان الظلام) وقصة (لحن كروتزر)، وأخيراً رواية (البعث) وتترادف كلها شوامخ في الأدب الروسي، ومن عجب أن يبقى (تولستوي) حتى بعد أن تقدمت به السن، بارعاً في تصوير المشاعر الرقيقة الدفينة، وظل أسلوبه جميلاً عذباً صافياً، كالجدول الرقراق، ولقد بسط آراءه الفلسفية والاجتماعية في هذه القصص وتعانق فيها فنه الرائع بأفكاره السامية، محتفظاً بطلاوته ومائه وروائه.




وفي عامي 1891 و 1892 ، اجتاحت روسيا مجاعة قاسية، لم تعرف مثيلا لها في تاريخها، وخفّ الشيخ الكبير (تولستوي) بهمةٍ تتقاصر دونها همم الشباب إلى (ريازان) و (سامارا) حيث غلبت المجاعة ، ونظم تقديم المعونة إلى الجائعين، ولم تنس (صوفيا) واجبها فأعانت زوجها الشيخ في عمله الإنساني الخير، وكان لحماسها الكريم أثرٌ كبيرٌ في إزالة بعض أسباب الجفوة بينهما.

ولم يشأ (تولستوي) أن يسيغ طيب الطعام، فيما كانت المسغبة تفتك بالناس، فقسر نفسه على القوت الضئيل الذي يكاد يسد الرمق، وكذلك كانت نفس هذا الانسان العظيم تتجاوب مع آلام عصره كله، كتب (تولستوي):

" علينا أن نعرف فيم يجوع الشعب، وأنه لفي ميسورنا أن نجد الوسيلة لإطعامه، حين نعرف سبب جوعه".

ورفع (تولستوي) صوته ضد المحتكرين وأرباب العمل، والمضاربين والمستغلين، والإقطاعيين، وكان يتكلم باسم المسيح وعقيدته، على أن آراءه – وإن يكن قد استمد بعضها من تعاليم المسيح – كانت تؤذي رجال الكنيسة، فهاجمته بضراوة وحكمت عليه بالحرمان في 22 شباط عام 1901. ولكن هذا الحرمان لم يزده إلا تمرداً وإصراراً على آرائه.

ولم تشأ الحكومة القيصرية أن تضطهده وأن تؤذيه بالنفي أو السجن، فقد كانت تخشاه، وكانت تعلم أن شهرته العالمية كاتباً ومصلحاً ومفكرا، قد فرعت حدود بلاده. كان من العسير إذن أن تخنق كلماته، بعد أن غزت قلوب الشعب، بيد ان حرمان الكنيسة له تراخى إلى رد فعل عنيف في أنحاء روسيا كلها، وقامت مظاهرات صاخبة في (موسكو)، و (بطرسبورغ) وتلقى (تولستوي) آلاف البرقيات والرسائل من أنحاء العالم تؤيده. من بينها رسالة من المصلح العربي العظيم الشيخ (محمد عبده) مفتي الديار المصرية، يهنئه بقرار الحرمان ويبارك مبادئه السامية.

ونمت فكرة عدم العنف لديه، حتى أضحت جذع تفكيره الاجتماعي والفلسفي، وكذلك سرت كلماته الناضحة بالمحبة والسلم، إلى خارج بلاده، وانثالت عليه الرسائل، مؤمنة برسالته الإنسانية من بينها رسالة من شاب هندي مغمور يدعى (غاندي)، سوف يأخذ بمدرجته، فيما بعد، في تطبيق آرائه، ليهز بها الاستعمار الانكليزي، كتب إليه من (الترانسفال) رسالة يقول فيها إنه أنشأ مزرعة سماها مزرعة (تولستوي) وأنه آمن برسالته السامية في السلم والمحبة.

ولقد توقع (تولستوي) بأن نار الثورة الكامنة سوف تتأجج وتقضي ذات يوم على النظام الجائر القائم، فلما حدثت حركة 1905 وقامت مظاهرة سلمية في (بطرسبورغ) ولجأت الحكومة إلى قمعها بعنف دموي، كتب (تولستوي):

"إن ثورة 1905 التي ستحرر الناس من الاضطهاد ينبغي أن تسري في روسيا كلها، وإنها لتتحرك الآن".

بلى، لقد دخل (تولستوي) كل قلب، ولكنه ابتعد عن قلوب ذويه، عن قلب (صوفيا) التي كانت ترى في دعوته شذوذاً، وكانت تعارض رغبته في التنازل عن حقوق ملكية مؤلفاته كلها للشعب- كما كان ينوي القيام به- حتى لقد فكرت في أن تستعدي عليه المحاكم، للحجر عليه، حفظاً لحقوق أولادها، وكانت تكره مريديه وتلاميذه – وعلى رأسهم تشيرتكوف- لأنهم جنحوا بزوجها عن طريق الإبداع إلى أوهام اجتماعية طوبائية، كانت تراها مضيعة لعبقريته.

وهكذا انقلبت هناءة الأسرة إلى شقاق وجدل متصل، وهددت (صوفيا) زوجها مراراً بالانتحار، وجعل (تولستوي) يفتش عن الخلاص. إن هذا الإنسان الذي كان يفرق من الموت ويخشاه أضحى يستعذبه ويتمناه. ولكن الانتحار جبن، فليهرب، ليهرب بعيداً عن جو البيت المشحون بالشجار، ولينتبذ مكاناً هادئاً يسيغ فيه عزلة هانئة.

وثار غضبه، ذات يوم، وهو يفاجئ زوجته، تسعى خلسة في موهن الليل، لتفتش عن شيء بين أوراقه، وحمله تصرفها على مغادرة داره يائساً، عند منبلج الفجر، دون أن تشعر به واستقل وطبيبه الخاص، القطار في الدرجة الثالثة منه. ووصل إلى (شماردينو) فرأى أخته ماري- وكانت تعيش راهبة في دير منعزل- وكتب إلى ابنته (الكسندرا) وكانت تشاطره رأيه في الهروب من بيته، لتوفيه ثمة مع بعض أوراقه، ثم ودع أخته واستأنف السفر مع ابنته وطبيبه.

وكان البرد شديداً يهرأ الجسم، والشيخ المعذب، متعبٌ مهدود القوى، كانت الرحلة طويلة شاقة. وطوى القطار الوئيد، تصفر فيه ريح الخريف، مسافات شاسعة، وفي محطة (ستابافو) وقع (تولستوي) مريضاً بالحمى، ونقل إلى غرفة مدير المحطة، وغصت البرقيات في أرجاء العالم، بكلمات الخبر المؤسي: إن كاتب روسيا الأكبر مشرفٌ على الموت. أما زوجته فقد رمت بنفسها في بركة، حتى تأدّى إليها الخبر، فانتشلت على آخر رمق.

مسكينة يا (صوفيا) لقد هرب رفيق العمر، إلى الأبد.

ولحقت به إلى (ستابافو) لتراه، فحيل بينها وبين رؤيته، في البدء، خوفاً على الشيخ المريض. وعلى سرير الموت، كان ( ليف تولستوي) : ليوفا ريوفا، ليف النواحة، يرى إلى أولاده ومريديه – وكانوا قد خفوا جميعاً إليه – فتنهمر دموعه، لا على نفسه، بل على المعذبين في الأرض جميعاً، ويردد في زفرة باكية:

- إن في الأرض ملايين البشر يتألمون مثلي، فعلام تهتمون كلكم بي؟.

ثم يجيل بصره الواني حواليه فيرى إلى ابنته (تانيا) التي اعتادت أن تظفر دوماً بابتسامة رفيقة حادبة، وغمزة حلوة صغيرة، كلما حدر إليها النظر، فيما هي تعزف على البيانو لحن (آريا) لباخ. كان في ميسورها أن تنفذ إلى معنى نظرته إليها المرفرفة المودعة التي كانت تنطفئ شيئاً فشيئاً، كما لو أنها تتسلق لحن (آريا ) الحزين، منطلقة نحو السماء، وتتحرك شفتاه، لعله كان يغمغم بكلمته التي يداعب بها، دوما، ابنته الحبيبة (تانيا):

- (تانشكا)، آه يا بنيتي الصغيرة، أيتها الحمامة الوديعة الحبيبة.

وتنحرف نظرته الوانية، فيلمح ابنه (سيرج) ويخاطبه:

- (سيرج) (سيرج) ، أنا أحب الحقيقة، أحبها كثيراً.

ويملي على (الكسندرا) رسالة وداع إلى (صوفيا) ، وفي الساعة الخامسة صباحاً، غاب (تولستوي) عن الوعي، فلما دخلت (صوفيا) إلى حجرته، كان يعاني سكرات الموت، وركعت الزوجة المسكينة، أمام قدميه، باكية، مستغفرة.




وفي الساعة السادسة والدقيقة الخامسة من صباح السابع من تشرين الثاني عام 1910 استوفى (ليف نيقولايفتش تولستوي) أنفاسه الأخيرة، وغاب الوجه العظيم إلى الأبد، ودفن في (ياسنا باليانا) الأرض التي نعمت بطفولته وشبابه وشيخوخته، وضمت هذه الأرض المعطاء أنبل وجه عرفه القرن التاسع عشر، ولكن قلب (تولستوي) ظل يخفق ، في صفحات رواياته، حناناً وحباً وسلاماً، إنه ينتفض ، ينبض، يحيا وراء كل حرف خطته أنامله.

كان (تولستوي)- كما يقول عنه الكاتب الفرنسي (هنري تروايا) – كريم الطوية وانه لعظيم، لا في العقيدة التي خلّفها، بل في الآلام التي كان يبلوها، وهو يطبق هذه العقيدة، لا في فلسفته التي كانت تتجاذبها مناهج شتى، بل في فنه الذي كان يأباه ويتنكر له في أيامه الأخيرة، لا في تفسيره المبهم للسماء، بل في معرفته المتقدة للأرض.

ولقد كان أكثر من هذا كله، كان – كما قال عنه لينين- مرآة الثورة الروسية. تتجلى في صقالها، معوله الذي كان يهدم به الإقطاعية والجهل والرق والخرافة.

ويستعير (مكسيم غوركي) حين يتأدّى إليه الخبر المؤسي الحزين، فيكتب:

"أشعر بأنني قد أضحيت، الآن، يتيماً، إنني أخط هذه الحروف، باكياً".




كان القبر بسيطاً متواضعاً ، لا يعلوه رخام . إنه كوم من التراب المعطاء، وفوقه براعم ورد وأغصان خضر، وتعالت ، إلى جانب القبر، شجيرات تناهت في الصعود، وتواشجت أغصانها وتعانقت ، وهب نسيم رطيب وخفق في ذؤابات الأشجار وجذبها فتأوّدت ، وتناهى منها حفيف كالأنين، وخيّل إليّ أن روح (تولستوي) ترفرف وتبكي، مثلما كان يبكي (ليوفا ريوفا).



 

رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd SmartServs
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
الحقوق محفوظة لموقع البيت اللبناني

منتديات البيت اللبنانى