منتديات البيت اللبنانى  

 


العودة   منتديات البيت اللبنانى > المكتبة الادبية > اشهر ادباء الغرب
اشهر ادباء الغرب ادباء اوروبا,ادباء روس,
التسجيل روابط مفيدة قائمة الأعضاء البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-30-2017, 10:26 PM   #1
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 10-14-2017 (09:10 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي مأساة نيكولاي غوغول



مأساة نيكولاي غوغول


ولد نيكولاي غوغول في قرية سوروتشينتسي الكبرى التابعة لقضاء ميرغورود بمقاطعة بولتافا في أكرانيا عام 1809. وتربّى منذ طفولته في أحضان المسرح المنزلي الذي كان يرعاه أحد الوجهاء من أقارب آل غوغول. وكان والد الكاتب فاسيلي أفاناسيفتشٍ يشارك في هذه العروض المسرحية بصفته كاتباً ومخرجاً وممثلاً هاوياً. كما تأثر غوغول فكرياً بآراء ونظرات بعض أساتذته في أثناء دراسته (1821 ـ 1828) في "مدرسة العلوم العليا" في مدينة نيجن. وكان طلاب المدرسة يقضون أوقات فراغهم في تمثيل أشهر المسرحيات التي كانت تعرض على خشبات المسارح في روسيا وأوربا الغربية. وقد تميز غوغول آنذاك بصفته مخرجاً ومصمم ديكور وممثلاً، ولا سيما في أداء الأدوار الكوميدية، كما كان لـه قصب السبق بين زملائه الموهبين في حقل النشاط الأدبي. وكان في الثامنة عشرة من عمره عندما كتب لأمه رسالة يقول لها فيها: "أمتحن قواي للقيام بعمل هام ونبيل في سبيل إفادة الوطن وإسعاد المواطنين وتحسين حياة الناس" (24 /آذار/ 1827).‏
ثم كتب لها في 13 /تشرين الثاني/ 1827 عن أنه اتخذ قراره النهائي ونذر حياته لمهمة واحدة هي العمل "من أجل خير الوطن وفائدته". ولذلك اختار بعد تفكير طويل وعميق دراسة "الحقوق" كي يكون "نافعاً حقاً"، ويكافح "الشر الأعظم في العالم"، وهو الظلم، وهكذا فإنه لم يختر الطريق الذي اختاره الديسمبريون، وهو طريق التغيير الثوري، بل أراد أن يساهم في إدخال مبادئ العدالة في النظام الحقوقي الروسي وتطبيق هذه المبادئ عملياً. ولكن سرعان ما أدرك أن تحقيق هذه المهمة دونه خرط القتاد.‏
ولم يجد في بداية حياته الوظيفية في العاصمة بطرسبورغ سوى وظيفة دواوينية تستهلك معظم وقته. وعلى الرغم من أنه ذاق مرارة الخيبة بعد نشر أول أعماله الأدبية الكبيرة وهو قصيدة "رعوية" بعنوان "غانتس كيوخيلغارتن" (1829) فاستقبلها النقاد برؤوس الحراب ظل يحلم بولوج عالم الأدب الرحب؛ وكان نجمه الهادي في أثناء حلمه هذا هو الشاعر الشهير الكسندر بوشكين الذي كان قد سحر الأوساط الأدبية بالفصول الأولى من روايته الشعرية "يفغيني أونيغن" وقصيدته الطويلة "بولتافا"، ومسرحيته الشعرية "برويس غودونوف"، ومجموعة مقطوعاته الشعرية المبكرة. وعلى الرغم من مساعيه الحثيثة للتعرف به آنذاك فإن الظروف لم تتح لـه تحقيق هذه الأمنية إلا في عام 1831، بعد أن كان قد نشر في الصحف بعض قصص مجموعته الشهيرة "أمسيات في القرية قرب ديكانكا"، وما إن أصدر المجموعة في جزأيها الأول (1831)، والثاني‏
(1832)، حتى أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الأدبية على نطاق واسع.‏
وقد جمع غوغول في هذه القصص بين كل ما يزخر به الفولكلور الأكراني من حكايات وشخصيات ومعتقدات وتخيلات وتقاليد وعادات من جهة، وحياة الشعب الأكراني الواقعية من جهة أخرى؛ محافظاً في أثناء ذلك على البنية الفنية المتماسكة والنسيج السردي المنسجم، ومُغنياً قاموس اللغة الأدبية بكثير من الكلمات الطازجة والعبارات العذبة الإيقاع، فافتتنت الأوساط الأدبية الروسية والأكرانية بأسلوبه وباللغة التي يكتب بها، وراحت تنتظر بلهفة وتشوق أعماله الجديدة. وكان غوغول في أثناء ذلك يسعى إلى التخلص من رتابة الوظيفة الدواوينية التي لا تنسجم مع مزاجه وطموحه إلى "خدمة الدولة"، واستطاع الانتقال في بداية عام 1831 إلى العمل مدرساً لمادة التاريخ في "المعهد الوطني"، ثم أصبح في عام 1834 أستاذاً مساعداً في كلية التاريخ العام في جامعة بطرسبورغ. وبذل جهوداًً كبيرة في دراسة علم التاريخ، وألقى سلسلة متكاملة من المحاضرات في تاريخ العصور الوسطى والعالم القديم، ونشر بعضها في الصحف المتخصصة؛ ومن أهم دراساته في تاريخ القرون الوسطى بحثه الشهير حول عهد الخليفة "المأمون". وقد حضر كل من جوكوفسكي، عميد الشعراء الرومنتيكيين الروس الأوائل، وبوشكين "شمس الشعر الروسي" محاضرة غوغول عن "المأمون" التي قارن فيها بين أنموذجين من نظام "الحكم": الأول هو أنموذج "الحكم" في عهد هارون الرشيد الذي أوصل الدولة إلى ذروة قوتها وتألقها، وذلك بفضل إدراكه العميق لمصالح شعبه القومية وحرصه الدائب على العناية بشؤون الدولة، والحؤول دون طغيان الولاة واستبدادهم في مختلف أقاليم الخلافة؛ والثاني هو أنموذج "الحكم" الذي ساد في عهد ابنه "المأمون" الذي أولع بالعلم والثقافة، وأحاط بلاطه بالفلاسفة والعلماء والشعراء، وارتقى بمستوى العلم والمعرفة إلى أعلى الدرجات، ولكنه لم يكن "يتفقد بنفسه" أحوال معيشة شعبه، وراح يزرع في البلاد ثقافة أجنبية متعصباً لعقيدة دينية بعينها، و"مسقطاً من حسابه تلك الحقيقة العظيمة التي تقول إن الشعب يجب أن يتطور انطلاقاً من طبيعته القومية" وإن دور الثقافة المستعارة يجب حصره في حدود "المساعدة على التطور الذاتي" المستند إلى الأصالة الشعبية.‏
وقد أدى هذا الأسلوب في "الحكم"، حسب رأي غوغول، إلى نشوء سوء تفاهم بين الشعب والحاكم، وإلى استفحال طغيان الوزراء والأمراء والولاة مما جعل مشاعر السخط تنتشر في أوساط الشعب؛ أُعجب بوشكين أيما إعجاب بعمق التحليل، وأصالة المنهج اللذين ميزا الدراسة، وهنأ غوغول على أسلوبه الجذاب في الإلقاء وبلاغته في التعبير. ولكن إعجابه بغوغول أديباً كان يفوق بكثير إعجابه به باحثاً في التاريخ، إذ كانت القصص التي يقرؤها لـه غوغول قبل نشرها تبهره بأصالتها وجدتها، وكان يمتدح موهبته ويرى أنها تتجلى في كونه أول كاتب روسي استطاع أن يظهر الابتذال والضحالة في الحياة بمثل هذا الوضوح أمام أنظار الجميع، وأن يفضح هذه النقيصة في الإنسان، ويسخر منها بأسلوب مبتكر يجعلها تثير الشعور بالاشمئزاز لدى القارئ الذي كان بصره قبل ذلك ينزلق عن هذا العيب بدون أن يلحظه. وقد ظل غوغول مسكوناً بالقلق والشك في صوابية الطريق التي سلكها لخدمة وطنه على النحو الأمثل، ثم ما لبث أن عقد عزمه في عام 1835 على العزوف عن التدريس وتكريس كل قدراته وجهوده للإبداع الأدبي الذي رأى فيه أخصب حقل يمكن لموهبته أن تتفتح فيه وتعطي أينع ثمارها التي من شأنها أن تعود على وطنه وشعبه بالفائدة المرجوة.‏
وأصدر غوغول في العام نفسه مجموعتين قصصيتين هما: مجموعة "أرابيسكات" التي تضم "جادة نيفسكي" و"اللوحة" و"مذكرات مجنون" ومقالات ونصوصاً أخرى.‏
ثم مجموعة "ميرغورود" وتضم قصته الشهيرة: "تاراس بولبا"، وأقاصيص أخرى. وصور في قصته التاريخية "تاراس بولبا" بطولات القوزاق وسائر الشعب الأكراني، وتضحياته الجسيمة في نضاله ضد التسلط البولوني والتتري ـ التركي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. يقول بيلينسكي عن هذه القصة "إن "تاراس بولبا" هي مقطع أو مشهد من ملحمة حياتية عظمى لشعب بأكمله. ولو أمكن وجود ملحمة هوميرية في زماننا لكانت هذه القصة أنموذجها الأسمى، ومثلها الأعلى، وأصلها الأول". وإذا كان غوغول قد وجه في مجموعة "ميرغورود" سهام سخريته اللاذعة إلى نماذج شخصياته المستمدة من مجتمع ملاك الأراضي الآيل إلى الانهيار، فإنه في قصص مجموعة "أرابيسكات" الثلاث وقصتيّ "الأنف" (1836) و"المعطف" (1842) التي أطلق النقاد عليها جميعاً اسم "القصص البطرسبورغية" قد شرّح بمبضع النقد الحاد جسد مجتمع المدينة الكبرى، ليكشف عن العلل والآفات التي تفتك به، والتناقضات التي تنهش أحشاءه. وتهيمن في جميع هذه القصص "البطرسبورغية" فكرة الصدام بين الحلم الجميل المشروع الذي يراود خيال الإنسان البسيط الشريف، والواقع البشع الذي يحطم هذا الحلم تحطيماً مأساوياً. ويكتب غوغول بهذه القصص صفحة جديدة في تاريخ تصوير "الإنسان الصغير" في الأدب الروسي متابعاً بوشكين فيما كان قد بدأه في بعض أقاصيصه النثرية، وسابقاً دوستويفسكي فيما سيكتبه عن أمثال هذه الشخصيات في رواياته. وهل كان من قبيل المصادفة أن يتذكر "مكار دييفوشكين" بطلُ "الناس الفقراء" كلاً من "سامسون فيرن" بطل "ناظر المحطة" و"أكاكي بشماتشكين" بطل "المعطف"؟‏
وكما تألقت موهبة غوغول في كتابة القصة والأقصوصة تألقت أيضاً في التأليف المسرحي، فكتب عدداً من المشاهد الدرامية والمسرحيات القصيرة من أشهرها مسرحية "الزواج" التي بدأ كتابتها في عام 1833، وصدرت في عام 1842، وعندما أنهى كتابتها بصيغتها المبكرة أرسلها إلى بوشكين وطلب منه أن يوحي إليه بموضوع ملهاة جديدة قائلاً في رسالته ".. يدي ترتعش.. لكتابة مسرحية كوميدية.." ووعده بأنها ستكون "مضحكة أكثر من الشيطان..." شريطة أن تكون "الحادثة روسية بحتة"؛ وروى لـه بوشكين فيما بعد قصة موظف صغير قادم من العاصمة إلى إحدى مدن الأقاليم، وقد ظنه المسؤولون هناك شخصاً "هاماً" جاء متنكراً ليتفقد الأحوال العامة، وعاملوه وفقاً لذلك، واستغل هو هذا الالتباس "أحسن" استغلال. نحّى غوغول جانباً كل ما كان يعمل عليه، وعكف على كتابة ملهاته الجديدة "المفتش العام"، وسرعان ما انتهى من كتابتها في بداية كانون الأول عام 1835، وعُرضت المسرحية في بطرسبورغ في 19 نيسان 1836، وصدرت أول مرة في طبعة مستقلة في العام نفسه. وقد حضر العرض الأول القيصر نيكولاي الأول مع ثلة من رجال البلاط وكبار المسؤولين والموظفين في الحكومة القيصرية، وعدد كبير من الاستقراطيين والمثقفين من شعراء وكتاب ونقاد منهم كاتب الأمثولات الشهير كريلوف وبوشكين وزوجته والشاعران جوكوفسكي وفيازيمسكي وحشد كبير من هواة المسرح. كان المشاهدون جميعاً يتوقعون مشاهدة ملهاة تضحكهم وتسليهم. وقد علت أصوات الضحكات من هنا وهناك في البداية، ولكن ما إن أخذ مضمون المسرحية يتكشف أكثر فأكثر حتى راحت ردود الفعل في المسرح تزداد تبايناً بين المقدمة والمؤخرة. فالوزراء والمستشارون وكبار الموظفين شعروا بأنهم يتعرون فوق الخشبة، ويظهرون على حقيقتهم: مرتشين، فاسدين، أنانيين، وصوليين، يستغلون مناصبهم لمنافعهم الشخصية، ويتلاعبون بالقوانين كما تملي عليهم أطماعهم ومصالحهم الفردية. ولولا تظاهر القيصر بالتماسك والابتسام بين الفينة والأخرى لكانت دمدماتهم الغاضبة قد تحولت إلى صرخات استهجان وسخط مدوية. أما المشاهدون في الصفوف الأخيرة والأروقة العالية فقد كانوا يصفقون مشجعين، ويعبرون عن إعجابهم وتقديرهم لهذا الإبداع المسرحي الساخر الذي لم يسبق لـه مثيل في روسيا. وقد استدعى هذا الجمهور غوغول للظهور على الخشبة كي يحييه، ولكن الكاتب لم يستجب، إذ كانت ردود الفعل السلبية قد آلمته كثيراً، وخصوصاً عندما سمع بعض التعليقات الساخطة من كبار الموظفين المحتشدين في الردهة استعداداً للمغادرة. كان يتساءل بينه وبين نفسه: هل يتحدث هؤلاء عنه وعن مسرحيته؟! كان كل همه أن يرى الناس الكذب والزيف في حياتهم، والعيوب التي تشوه معيشتهم ودنياهم، ولم يكن يفكر البتة في الدعوة إلى إسقاط الحكم القائم، أو إلى التمرد على السلطات! وعندما اقترب منه بوشكين لتهنئته بعمله الرائد رد عليه غوغول بمرارة: ـ يملؤني شعور بالغم والاستغراب... ومع أنني كنت أتوقع كيف ستجري الأمور فإني أشعر الآن بالأسف والضيق، لقد بدا لي عملي كريهاً وغريباً عني وكأنه ليس لي.‏
وأخذ بوشكين يقنعه بأنه غير محق في نظرته إلى الأمر على هذا النحو، وفي أثناء ذلك اقترب منهما الشاعر فيازيمسكي وشرع يهنئ غوغول بحرارة قائلاً لـه: ـ"المفتش" نجحت نجاحاً باهراً على الخشبة، أما أقاويل جمهور "الموظفين" فالهدف منها أن يظهروا ملكيين أكثر من الملك!‏
ورد غوغول: ـ إن هذه الآراء لم تكن لتؤثر فيّ لولا رأي الحكم الذي كنت أخشاه أكثر من الجميع، وهو أنا نفسي. فقد كنت أشعر أن في داخلي شخصاً يلومني على ما فعلته.. وأعرف أن سبب استهجان بعض الجمهور للمسرحية لا يمت إلى الفن بصلة.‏
أجل! كان غوغول آنذاك قد بدأ يطمح إلى استخدام الفن لسلاح يمكن أن يحقق به أهدافاً سامية، ولكن بما أن السلاح، على رهافته وجودته، لم يبلغه الغاية، فقد أشعره بشيء من خيبة الأمل.‏
وزاد من شعوره بالضيق قيام حملة شعواء ضده لا في الأوساط الحاكمة فحسب، بل في أوساط النقاد والمثقفين المحافظين أيضاً، مما اضطره إلى مغادرة روسيا والسفر إلى أوربا الغربية.‏
وقضى غوغول في الخارج نحو اثني عشرة عاماً تمتد من حزيران عام 1836 حتى نيسان عام 1848، ولم يعد إلى الوطن في أثناء ذلك سوى مرتين لفترة تقارب السنة والنصف، وقد زار في اغترابه العديد من البلدان والمدن إما للاطلاع أو الاستشفاء أو لقاء الأصدقاء، وعاش معظم مدة اغترابه في مدينة روما، حيث استأنف كتابة تحفته الخالدة "النفوس الميتة" التي كان قد بدأها في روسيا منذ عام 1835، وكان بوشكين هو الذي أوحى إليه بفكرتها. كتب غوغول في "اعتراف مؤلف": "كان يدفعني منذ مدة طويلة إلى الإقبال على عمل كبير، وأخيراً، بعد أن قرأت لـه ذات مرة وصفاً تصويرياً مقتضباً لمشهد مقتضب أدهشه أكثر من كل ما كنت قد قرأته لـه قبلاً، قال لي: "كيف يمكن لصاحب مثل هذه المقدرة على أن يخمّن حقيقة الشخص ويصوره ببضعة ملامح ويقدمه للقارئ دفعة واحدة، وكأنه حي، كيف يمكن لـه ألاّ يقبل على كتابة عمل كبير! إن هذا، ببساطة، إثم".‏
وفي النهاية أعطاني موضوعاً كان يحتفظ به لنفسه، وأراد أن يستخدمه لكتابة عمل ما: قصيدة أو ما يشبه ذلك. وهو موضوع لم يكن ليقدمه، حسبما قال، لأي إنسان آخر. وكان هذا هو موضوع "النفوس الميتة". وعندما زاره بوشكين لوداعه قبل السفر طلب إليه أن يقرأ لـه الفصول الأولى التي أنهى كتابتها من رواية (أو "قصيدة) "النفوس الميتة" (كما سماها غوغول فيما بعد)، فقرأ لـه الفصلين الأولين، وامتدت القراءة إلى ما بعد منتصف الليل. كان بوشكين يصغي صامتاً ووجهه يزداد تجهماً شيئاً فشيئاً، وعندما انتهت القراءة قال بصوت مفعم بالأسى والكآبة: "ـ يا إلهي، كم هي محزنة روسيانا!".‏
ثم عانق غوغول بحرارة وودعه وخرج، وكان هذا آخر لقاء بينهما.‏
وظل بوشكين في نظر غوغول مثلاً أعلى لـه في الحياة والفن حتى عندما تخلى كاتب "المفتش العام" و"النفوس الميتة" عن كثير مما كان يؤمن به وأحاطت به حفنة من السلفيين الذين يرفضون أية أفكار تقدمية ويرى بعض الغلاة منهم في بوشكين وأمثاله أشخاصاً من أتباع الشيطان المسخرين لإفساد البشر وتدنيس "المقدسات". وكان نبأ وفاة بوشكين من أشد الصدمات التي هزت كيان غوغول وأوهنت عزيمته قبيل تفاقم أزمته النفسية والفكرية التي بلغت ذروتها في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. تلقى غوغول الخبر المفجع في أواخر شباط عام 1837 عندما كان في باريس. وكان قد غادر لتوه المسرح حيث شاهد مسرحيتين لموليير، وذهب ليقضي أمسيته في صالون سيدة المجتمع الروسية الكساندرا سميرنوفا التي كانت تزور بدورها باريس ويجتمع في صالونها صفوة المثقفين الروس هناك. وبينما كان المجتمعون منخرطين في الحديث عن الأحداث الباريسية في جو يسوده المرح وتعلو فيه الضحكات وصل شخص من السفارة الروسية وأعطى أندريه كارامزين ـ ابن الأديب والمؤرخ الروسي الشهير نيكولاي كارامزين ـ رسالة موجهة أليه من موسكو. فانتحى جانباً وأخذ يقرأ الرسالة في سره، وفجأة ندت عنه صرخة مكبوتة وامتقع لونه وارتخت يده المرتعشة التي يحمل بها الرسالة، فنظر إليه الجميع بقلق وتوجس. تمتم بصوت متلجلج وقد اغرورقت عيناه بالدموع:‏
ـ بوشكين قُتل برصاصة دانتس.‏
انفجرت سمير نوفا بالبكاء، واقشعر بدن غوغول وسرى فيه حذر موهن، وتجمدت يداه وقدماه من الشعور بالبرد، وجلس في إحدى الزوايا كالميت بدون أن ينطق بحرف. وصعق جميع الحاضرين بالنبأ المفاجئ وعلت أصوات نشيج وتعليقات غاضبة وزفرات حارة هنا وهناك. نهض غوغول بتثاقل وقال متوجهاً إلى الحاضرين: "هذا أسوأ خبر يمكن أن يأتي من روسيا. كل مسرات حياتي وأجمل ما كنت أتمتع به قد اختفت برحيله! يا إلهي! إن عملي الحالي الذي أوحى إليّ به من إبداعه هو.. ولم أعد أقوى الآن على متابعته.." صمت فجأة ثم توجه إلى الباب بدون أن يودع أحداً. وعندما وصل إلى مكان إقامته تمدد على سريره ولم يعد يستطيع النهوض. استدعى صديقه دانيليفسكي الطبيب وظل أسبوعاً كاملاً يعتني به إلى أن استعاد غوغول بعض قوته. وذات مرة توجه إلى صديق صباه هذا وقال لـه شاكياً: ـ أنت تعرف كم أحب أمي. ولكن حتى لو فقدتها هي، لما شعرت بمثل هذه اللوعة التي أشعر بها الآن. وكتب كارامزين في رسالة إلى أمه يصف لها فيها الانطباع الذي أحدثه نبأ وفاة بوشكين:‏
".... كان منظره (أي منظر غوغول) مؤثراً ويثير الشفقة. منذ ذاك الوقت لم يعد كما كان. ترك ما كان يكتبه وصارت تستولي عليه الكآبة عندما يفكر في العودة إلى بطرسبورغ التي غدت مقفرة في نظره".‏
ولم يكن هذا الحزن العميق لرحيل بوشكين مجرد تعبير عن الحب اللامتناهي للشاعر العظيم، بل كان كذلك شاهداً على التقارب الفكري والإبداعي بينهما آنذاك. وقد كتب غوغول في إحدى رسائله لصديقه بوغودين:‏
".. عندما كنت أبدع لم أكن أرى أمامي سوى بوشكين.. كل ما هو جيد لدي.. أنا مدين به لـه." وما إن تجاوز أثر الصدمة الصاعقة التي ألزمته الفراش حتى قرر أن يغادر باريس إلى إيطاليا بعد أن يزور الشاعر البولندي الشهير آدم ميتسكيفتش، الذي كان مقيماً في باريس آنذاك، وكان قد عاش في روسيا بضع سنوات وتعرف على بوشكين عن كثب، وأصبح يكنّ لـه مشاعر محبة وتقدير صادقين.‏
يتبع



 

رد مع اقتباس
قديم 01-30-2017, 10:27 PM   #2
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 10-14-2017 (09:10 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي




اشك في أن الشعور بالغربة والوحدة، والبطء الشديد في العمل على إكمال الرواية، والتوعك الدائم، والأزمات المرضية الحادة كان لها أكبر الأثر في السوداوية التي أصابت الكاتب وجعلته نهباً للوساوس والتفكير المضني بالموت، والشك في سلامة الطريق التي اختارها. وفي هذا الأجواء وجد نفسه يصغي إلى "نصائح" بعض السلفيين المتعصبين الذين كانوا يوحون إليه بأن أعماله لا تخدم الغاية السامية التي خلق الإنسان من أجلها. ولكن موهبته الأصيلة عصمته من التخلي عن الصدق الفني، وساعدته على متابعة إبداعه إلى أن أنهى الجزء الأول من "قصيدته" في عام 1841، ولكنه لم يتمكن من نشرها إلا بعد بذل جهوداً مضنية وتدخُّل الكثير من الأصدقاء والمعارف ـ ومنهم بيلينسكي ـ وإدخال بعض التعديلات التي أصرت الرقابة عليها. وما إن صدرت الرواية في أيار عام 1842 حتى "هزت روسيا بأسرها" (كما كتب المفكر والأديب الروسي غيرتسن) وقسمتها إلى قسمين: بعضهم وجد في الرواية صورة صادقة للواقع المر الذي تعيشه روسيا، والذي يبعث في النفس الأسى والغضب ويستنهض الهمم لتغييره، وبعضهم رأى فيها تهويلاً مبالغاً فيه يستدعي الاستنكار والنفي، وقد تصدى الناقد بيلينسكي للنقاد الرجعيين الذين حاولوا النيل من القيمة الفنية والفكرية التي تنطوي عليها الرواية، ودافع عنها بحرارة بصفتها ظاهرة أصيلة وجديدة في الأدب الروسي: فوسط الموجة الطاغية من الكتابات الضحلة التافهة الخالية من الموهبة، ووسط الأعمال الغثة الباهتة والفقاعات الأدبية الفارغة والألاعيب الصبيانية، والمشاعر الزائفة والوطنيات المنافقة والشعبية المعسولة المصطنعة، وسط كل هذه القتامة لمع برق باهر بدد الظلمة، وانهمر غيث صاف أزال الجفاف، وظهر عمل إبداعي روسي محض، يتسم بأصالة قومية، وينفذ إلى أعماق الحياة الشعبية، ويصور الواقع بصدق، ويكشف الغطاء عن حقيقة الأمور، وهو مفعم بحب خارق للبذور الخصبة التي تحتويها التربة الشعبية الروسية. إنه عمل يتسم بقيمة فنية لا متناهية من حيث الفكرة والتنفيذ وتصوير طبائع الشخصيات وتفصيلات الواقع المعيشي الروسي، كما أنه يتسم بقيمة اجتماعية وتاريخية عالية.‏

وقد سمحت فكرة العمل للكاتب بأن يصور روسيا من أقصاها إلى أقصاها: بجميع فئاتها وبيئاتها إذ أن "بطل" العمل الرئيسي "تشيتشيكوف"، الذي يمثل الفئة الفاسدة الطفيلية من رجال الأعمال المزيفين الذين يفرزهم النظام الرأسمالي الوليد، يطوف على عدد من ملاّك الأراضي في مختلف أرجاء البلاد، ويقابل مختلف النماذج من الفئة الإقطاعية، ثم يعود ليتعامل مع شخصيات تمسك بزمام الحكم والإدارة في المدينة حيث يعشعش الفساد في كل الزوايا، وبهذا يكشف الكاتب عن حقيقة الأوضاع في روسيا القيصرية بأسلوب ساحر مبتكر، ولغة حية طازجة، وصور فنية ساطعة تجعل من الرواية قمة في فن السرد الواقعي النقدي الذي سيتأثر به جميع الكتّاب الروسي الكبار فيما بعد. ولكن أياً كانت المعاني التي استخلصها النقاد والقراء من هذا العمل الإبداعي الواقعي الذي يتجلى فيه الصدق الفني بأوضح صوره فإن "غوغول نفسه لم يكن يهدف منه الدعوة إلى تقويض أسس النظام الاجتماعي والسياسي في روسيا، ولم يقصد توجيه النقد لمبادئ الحكم الملكي. بحد ذاته، بل كان كل همه أن يدين " الفساد" و"البشاعة" في روسيا معتقداً أن مهمة الكاتب الساخر أن يناضل بالضحك والتهكم ضد العيوب والمثالب التي تشوّه حياة المجتمع. وكان يَعُدّ نفسه شخصاً يقف خارج ميدان السياسة كما يذكر في رسائله. ويرى أن "الانخراط في السوق الدنيوية" ليس من "مهام الشاعر". فالخلاص يأتي عن طريق النشاط التنويري وسيادة المبادئ الأخلاقية والشعور بالواجب، والالتزام الصادق بتنفيذ القوانين القائمة، وحرص الحكومة وفي مقدمتها القيصر على رعاية شؤون الشعب والدولة، وهذه بالذات ما كان قد دعا إليه غوغول ـ البروفيسور في محاضرته عن الخليفة "المأمون". كان غوغول آنذاك ينتمي بأفكاره الأيديولوجية إلى ذاك التيار الديمقراطي العام الذي تشكّل بعد إخفاق حركة النبلاء الثورية. ولم تكن الآراء والنظرات الفكرية العامة السائدة في صفوف هذا التيار تتسم بالنضج والتماسك المنطقي الداخلي، بل كانت مزيجاً تتشابك فيه على نحو معقّد آراء ونظريات تقدمية ومحافظة. بيد أن أيديولوجيا غوغول في الثلاثينات كان يغلب عليها الطابع الديمقراطي التقدمي. وكان قربه من بوشكين والوسط المحيط به يقوّي هذه النزعة التقدمية في نظرته إلى العالم. ولكن ابتعاده عن روسيا، ووقوعه تحت تأثير الأوساط المحافظة سواء في أثناء وجوده في الخارج أو في أثناء زياراته لروسيا، والظروف الذاتية المعقدة التي انعكست على نفسيته بقوة عجز عن مقاومتها، وكذلك الظروف الموضوعية المتمثلة في تطور الرأسمالية في روسيا والخوف من أن تندلع فيها "اضطرابات وتمردات" دموية كما يحدث في بعض البلدان الأوروبية ـ كل هذه العوامل كان لها تأثير حاسم في تكوين قناعات غوغول الفكرية في السنوات العشر الأخيرة من حياته. وقد عقد غوغول العزم على أن يظهر في الجزء الثاني من روايته "الوجه الآخر" لروسيا، فالفن، حسب اعتقاده، يجب ألا يقتصر على إظهار "كل السمات والخصائص الشعبية النبيلة، بما في ذلك تلك التي لم تجد متسعاً لتتطور بحرية، ولم يلحظها الجميع ويقدروها حق قدرها". ولكن حيث كانت الغلبة لمبدأ الصدق الفني والإخلاص للموهبة الأصيلة كان تصوير الطباع لديه يخضع لمبدأ النمذجة الواقعية الإبداعية، فتظهر الشخصيات الأنموذجية أشخاصاً من لحم ودم، يفكرون ويتصرفون وفقاً لما تمليه عليهم طبائعهم التي تكونت في كنف ظروف اجتماعية ـ تاريخية محددة؛ أما عندما كان الكاتب يقسر ريشته على تصوير شخصيات إيجابية من وسط أولئك الإقطاعيين أنفسهم، ويحاول أن يجد في أوساط الفئة البيروقراطية الحاكمة أشخاصاً نزيهين وشرفاء يمكن بفضل جهودهم التغلب على الفساد، وإصلاح المجتمع وتحقيق العدالة عن طريق نشر المعرفة، وتهذيب النفوس، وإصلاح الأخلاق، عندئذ كان تصوير الشخصيات يبدو متكلفاًً، ويغلب عليه طابع التخطيط الذهني الذي لا يستمد مادته من الواقع المعالج إبداعياً.‏
ولكن الكاتب الذي أصبح في أواسط الأربعينات يشعر بأنه مكلّف بإرشاد الناس إلى السبيل القويم صرف جل اهتمامه إلى مراسلة الأصدقاء لينصحهم بالعكوف على قراءة الكتب الدينية، والتضلع من تعاليم آباء الكنيسة ومواعظهم، ورأى من واجبه تبيان سبيل الخلاص بأوضح صورة، وأن أعماله التي كشف فيها عما يحتويه الواقع من شر وفساد لم ترتق إلى المستوى الكافي فرشاد الناس إلى ما ينبغي فعله من أجل الوصول إلى الغاية المرجوة. وأخذ يشك في قيمة عمله الإبداعي الجديد، ثم اتخذ قراره النهائي وهو في مدينة هامبورغ التي قدم إليها في ربيع عام 1845 للاستشفاء بمياهها المعدنية. وهناك أقدم على حرق عمله الذي قضى في كتابته خمس سنوات كاملة، وكتب بعد ذلك في دفتر ملاحظاته وكأنه يقدم تقريراً للأجيال القادمة: "أُحرق الجزء الثاني من "النفوس الميتة" لأن هذا ما يجب أن يكون. وكما يقول "كِتابُ الرُسُل": "لن تُبْعثَ إذا لم تمت"... لم يكن من السهل على حرق عمل استغرق خمس سنوات مليئة بالتوترات المؤلمة... وأشكر الرب لأنه منحني القوة لأفعل هذا. وما إن التهمت النار الصفحات الأخيرة من الكتاب حتى بُعث مضمونه فجأة (في ذهني) بشكله المُطهّر الوضّاء كما الفينيق من النار...".‏
وبعد أن كتب غوغول هذه الأسطر تمدد في السرير وغطى رأسه بالوسادة وطفق يبكي.‏
ولم يجد من وسيلة يحقق ما تصبو إليه نفسه الغارقة في هواجس آخروية ومشاعر صوفية وأفكار غيبية سوى أن ينشر مختارات من مراسلاته الأخيرة المليئة بالمواعظ والأفكار المحافظة، فعمد إلى جمع هذه المنتخبات وأرسلها إلى روسيا لنشرها في كتاب، وصدر هذا الكتاب في أوائل عام 1847 بعنوان: "مقاطع مختارة من المراسلات مع الأصدقاء"، فأثار ضجة تكاد لا تقل عن الضجة التي أثارها نشر الجزء الأول من النفوس الميتة"، ولكن معسكري المادحين والقادحين تبادلا الأماكن هذه المرة.‏
فقد انهالت عبارات الثناء والتهنئة على غوغول من معسكر السلفيين والرجعيين، وأثار الكتاب موجة عارمة من الاستنكار والسخط لا من جانب التقدميين والثوريين فحسب، بل حتى من جانب أصدقاء غوغول المعتدلين من أمثال سيرغي أكساكوف الذي اختتم رسالته إلى غوغول بقوله: "... لقد ارتكبت خطأً فاحشاً يدعو إلى الرثاء. ضللت وتشوشت وناقضت نفسك في كل خطوة، وإذا كنت تظن أنك بهذا ترضي السماء والإنسانية فاعلم أنك قمت بإهانة الرب والإنسان". وكتب بيلينسكي في مجلة "المعاصر" مقالة فنّد فيها آراء غوغول الرجعية، ونقد مضمون الكتاب نقداً لاذعاً بقدر ما تسمح به الرقابة. فردّ عليه غوغول برسالة يحاول أن يبرر فيها فعلته، ويبرئ نفسه من التّهم التي توجه إليه. وعندئذ وجّه إليه بيلينسكي رسالته الشهيرة المؤرخة في 15 تموز 1847 والتي غدت منذ ذاك الوقت بياناً فكرياً ثورياً ووثيقة هامة تتناقلها الأيدي سراً، ويعاقب القانون كل من تضبط لديه. (وكانت قراءتها في إحدى الحلقات الثورية هي التّهمة الرئيسة التي وجهت إلى دوستويفسكي عندما حكم عليه بالإعدام ثم استعيض عنه بالنفي والأشغال الشاقة).‏
وكان دافع بيلينسكي الرئيس لكتابة هذه الرسالة هو الغيرة على غوغول كفنان عظيم والرغبة في إعادته إلى محراب الإبداع الرائع، ومما قاله لـه في رسالته: "أجل، لقد أحببتك حتى الهيام، كما الإنسان المرتبط ببلاده لحماً ودماً يهيم بأمل هذه البلاد وشرفها ومجدها، وبواحد من زعمائها العظام في مضمار الوعي والتطور والتقدم... أنت تعرف روسيا بعمق بصفتك فناناً فقط، لا بصفتك مفكراً، ولم يحالفك التوفيق البتة في تقمصك دور المفكر في كتابك الخيالي... لقد اعتدت طوال سنين عديدة النظر إلى روسيا من مغتربك البعيد الرائع، ومن المعروف أنه ليس هناك أسهل من أن ترى الأشياء من بعيد كما تريد أن تراها... ولذا فإنك لم تلاحظ أن روسيا لا ترى خلاصها في التصوف ولا في التنسك ولا في المذهب التَّقويّ، بل تراه في نجاحات الحضارة والتنوير والمذهب الإنسانوي.‏
ليست المواعظ هي ما تحتاج إليه (فقد سمعتْ فيها ما يكفي!) ولا الأدعية (فقد كررت منها ما يكفي!) إنها بحاجة إلى إيقاظ الشعور بالكرامة الإنسانية في نفس الشعب... وهي تمثّل الآن مشهداً فظيعاً لبلاد يتاجر فيها الناس بالناس، دون أن تملك تبريراً لهذا كالتبرير الذي يستخدمه مبكر أصحاب المزارع الأمريكيون الذين يزعمون أن الزنجي ليس إنساناً... يا داعية السوط ورسول الجهل ونصير التعتيم والظلامية ومدّح الأخلاق التترية ما الذي تفعله؟ انظر إلى ما تحت قدميك: إنك تقف فوق هاوية... وإذا كنت ـ ويا للبؤس ـ قد أقدمت باستكانة أبيّة على التبرؤ من أعمالك العظيمة حقاً، فإن عليك الآن أن تتبرأ باستكانة صادقة من كتابك الأخير، وأن تكفّر عن إثم إصداره المنكر بإبداعات جديدة تُذكّر بإبداعاتك السابقة".‏
أشعلت رسالة بيلينسكي النار في نفس غوغول؛ فالناقد الذي طالما امتدحه وسماه أبا الأدب الروسي بعد بوشكين يصفه الآن بأنه يدافع عن سلطة السوط والحكم المطلق! أوَهذا ما كان هو يريد قوله في كتابه "المشؤوم؟" كان كل همّه أن يرشد الناس إلى سبيل الصلاح والمصالحة والسلام. ومه أنه حاول في ردّه على الرسالة أن يبرئ نفسه من التّهم الموجهة إليه، إلا أنه اعترف في الوقت نفسه بأن في رسالة بيلينسكي "جزءاً من الحقيقة"، وأنه لم يعد يعرف روسيا وما تغيّر فيها بعد غيابه عنها طوال هذه المدة، وأنه لن ينشر شيئاً في المستقبل إلا بعد أن يعود إلى الوطن ويرى الواقع بعينيه ويلمسه بيديه. واستقر عزمه على أن يعبر عن كل ما يريد قوله لا بوساطة المحاكمات العقلية والأفكار المنطقية المجرّدة، بل بوسائل الفن الإبداعي. وكتب إلى جوكوفسكي بهذا الصدد: "... مهمتي أن أتكلم بالصور الحية لا بالمحاكمات الذهنية، عليّ أن أشخّص الحياة لا أن أتحدث عن الحياة".‏
وعاد غوغول إلى الوطن نهائياً في 16 نيسان 1848 بعد أن حج إلى القدس في شباط من العام نفسه. وعكف على كتابة الجزء الثاني من "النفوس الميتة" من جديد، عازماً على أن يكون هذا الجزء هو "المطهر" و"الفردوس" بعد الجزء الأول الذي أصبح ينظر إليه على أنه "الجحيم" في "قصيدته" الملحمية الكبرى. فقد أراد أن يصور في هذا الجزء طريق خلاص الأمة من "الجحيم" الذي تعيش فيه. ومع أنه كان يرى أن أفضل سمات الطبع الروسي تتجسد في أوساط الفلاحين الكادحين الذين صور بعض نماذجهم في "الجزء الأول" إلا أن نظرته إلى الأمة الروسية على أنها متماسكة داخلياً كالجسد الواحد جعلته يبحث عن أشخاص تتجسد فيهم المثل الأخلاقية العليا في أوساط تلك الفئات الفاسدة التي سخر منها سخرية مُرّة في الجزء الأول من "قصيدته". وهنا كان غوغول ـ كما سبق أن أشرنا ـ ينحرف عن مبدأ "الصدق الفني"، وترجح لديه كفة العقيدة الأيديولوجية النظرية المجردة، ولذا اتسم تصوير الشخصيات الإيجابية في الجزء الثاني من الرواية بالجفاف والاختلاق الذهني والابتعاد عن الحقيقة الحية. وقد أنهى غوغول إعادة كتابة الجزء الثاني في عام 1851 وأخذ يعد العدة لطباعته وإصداره كما ورد في رسائله إلى أصدقائه. ولكن المرض اشتد عليه فوهنت قواه الجسدية والنفسية، واستولت عليه هواجس الخوف من الموت، وامتلأت نفسه بالمشاعر الغيبية، وتناهبته الشكوك في سلامة تصرفاته وانسجامها مع ما يفرضه عليه واجبه الديني. وفي ليلة الثاني عشر من شباط عام 1852 قضى الهزيع الأول من الليل في الصلاة، ثم نادى الخادم في الساعة الثالثة ليلا،ً وطلب منه أن يحضر لـه محفظته من الخزانة، وأخرج منها رزمة من الدفاتر، وألقى بها في المدفأة الجدارية وأشعل فيها النار... واحترق مرّة أخرى العمل الذي قضى غوغول في كتابته نحو عشر سنوات.‏
ولم يبق للقراء من الجزء الثاني من روايته "النفوس الميتة" سوى مسودة الفصول الخمسة الأولى منها. وبعد عشرة أيام من تلك الليلة المشؤومة فارق غوغول الحياة، ولكن أعماله الإبداعية بقيت حيّة وخلدت اسمه في عالم الأدب لا في أوساط الشعب الروسي فحسب، بل في أوساط العديد من شعوب العالم.‏



 

رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd SmartServs
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
الحقوق محفوظة لموقع البيت اللبناني

منتديات البيت اللبنانى