منتديات البيت اللبنانى  

 


العودة   منتديات البيت اللبنانى > المكتبة الادبية > اشهر ادباء الغرب
اشهر ادباء الغرب ادباء اوروبا,ادباء روس,
التسجيل روابط مفيدة قائمة الأعضاء البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-20-2016, 07:51 PM   #1
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 07-05-2017 (03:37 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي فيدور دوستويفسكي



فيدور دوستويفسكي

(1821 - 1881)

ولد فيدور دوستويفسكي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1821 بموسكو . كانت امه تنتمي إلى فئة التجار. كان أبوه طبيبا عسكريا معدما، إذا قيست الثروة بمقاييس تلك الأيام، ترك الخدمة ليعمل في مستشفى الفقراء، فنشأ الطفل في بيئة تعاني الضيق المادي، وفي جو تسيطر عليه روح الثكنة التي لم يستطع الأب، أو لم يحاول، التخلص منها. ولعله كان يعاني ضجرا خبيثا، ضجرا سببه العوز في المحل الأول، مما جعل أخلاقه شرسة قاسية، ومعاملته لزوجه وأولاده رديئة ظالمة. كان هذا الرجل يخجل من فقره، فيعيش وعائلته في انطواء على النفس يكاد يضعهم خارج حدود الحياة، فلا مسرح، ولا نزهات، ولا صداقات. وهكذا نشأ دوستويفسكي بعيدا عن كل احتكاك بالعالم الخارجي، محروما من الأصدقاء، ومن التجارب، ومن الحرية، إن الإناء مغلق بإحكام على هذه النبتة المتعطشة إلى الهواء، بحيث أن هذا الحرمان سيدمغه طوال حياته : " نحن جميعها قد فقدنا عادة الحياة" . أجل، إن دوستويفسكي لم يستطع فيما بعد أن يعتاد الحياة.

وأن حاجزا حديدا مشبكا ليفصل حديقة المنزل عن باحة المستشفى الواسعة حيث يتنزه المرضى في ساعات النهار، وقد ارتدوا مناماتهم وغطوا رؤوسهم بطاقيات قطنية. وكان فيودور يحب، متجاوزا في ذلك أوارم أبيه، أن يتعرف إلى هؤلاء المرضى، وأن يبادلهم الحديث من خلال الحاجز المشبك. إن هذه الإنسانية المعذبة القبيحة لا تنفره- وهل عرف الإنسانية حتى الآن إلا على هذه الصورة؟- بل تثير في قلبه حنانا وفضولا وتجتذبه إليها. أجل إن هذا البرجوازي الصغير المتوحد يسعى على صحبة هؤلاء الناس المقهورين- وهل أقهر من الفقر والمرض مجتمعين؟ - الخجولين، اليائسين، المرفوضين من قبل عالم لا يعرف عنه هو شيئا. ما هي مأساتهم يا ترى؟ وأي قدر ظالم رهيب أودى بهم على هذا الحال؟ وكيف يحسهم غير غرباء عنه، رغما عن فارق السن والوضع الاجتماعي؟ وكان الأب، إذا فاجأ ولده في صلته مع هؤلاء المساكين، يوبخه بشدة، بل يعاقبه بقسوة أحيانا.

هذه الطفولة المخنوقة لا يتحدث دوستويفسكي عنها مطلقا، ولا ريب أن هذا الصمت العنيد من قبله ينطوي على الخجل. بيد أننا نستطيع أن نلمس مشاعره الحقيقية من خلال أحاسيس أبطاله الصغار. لابد أنه كان مثل ( نيللي )، هذه الصبية المرهفة الحس حتى الدرجة القصوى، التي انتهى بها البؤس والحرمان والاضطهاد إلى الصرع فالموت، أو مثل ( أيليوتشكا ) ابن الكابتن السكير، الذي يخجل من بؤس عائلته، ومن تصرفات أبيه التي يمليها البؤس عليه، فيموت كمدا وقهرا. أو مثل ( كوليا )، هذا الفتى الناضج باكرا، الواسع الخيال، المتأجج رغبة في الصيرورة شيئا عظيما، المتشرب بذلك الهوس العنيف، هوس دوستويفسكي نفسه، الذي يريد من المرء أن يتجاوز نفسه كي يتألم مع الإنسانية بأسرها...


يهرب دوستويفسكي من ظلمات هذا العالم الحالك، ملتجئا إلى حيث يلتجئ عادة الناقمين، على الكتب. إنه يقرأ ليل نهار، ولا يرتوي له ظمأ، يلتهم ولتر سكوت، وديكنز، وجورج صاند، وهوغو، حالما بأروع المغامرات، بالسفر على البندقية، أو القسطنطينية، أو البلدان الشرقية النائية حيث الأسرار التي لا حلول لها، تراوده صور الانتصارات العظيمة، وعواطف الحب المتفاني.

وتموت أمه، بمرض السل ، عام 1837م ، فيفقد بفقدها سنده الروحي الوحيد في الحياة. وتجعل الحاجة منه جنديا فينتسب إلى مدرسة المهندسين بيد أنه لا يبرح، حتى في عالم الجندية الصاخب، منزويا بعيدا عن الناس. إن خجله المرضي، وما يؤدي إليه مثل هذا الخجل من حب مفرط للذات وانطواء متصل عليها، يبعد الرفاق عنه. إذ يلتهب شوقا إلى بذل الذات، إلى منحها لأول قادم، لكنه يعود منذ الوهلة الأولى فيتكوم على بعضه. إنه يخاف أن يعيش. وماذا يجمع لين هؤلاء الفتيان المرحين اللعوبين وبينه هو الذي تئيد كآبة ثقيلة على وجود؟ وما وجه الشبه بين مطامحه الرومانتيكية ورغباته الغامضة في المجد والعظمة وبين تصرفات زملائه السخيفة؟ إن مثل هذه الحياة لتنفره : " لقد أرسلوني مع أخي ميشيل، البالغ السادسة عشرة، إلى سان بطرسبرغ، إلى مدرسة المهندسين، وبذلك أفسدوا مستقبلنا، تلك كانت خطيئة بالنسبة إلي".

لكن أصعب ما يعانيه هو العوز. فلتمطر السماء، وهو لا يملك ما يبتاع به كأسا حارة من الشاي وبعض الملابس الداخلية الدافئة. فلتحرق الشمس الأرض، وهو لا يملك أن ينظف جسده من العرق الناتج عن القيظ الشديد. وإن أباه الذي ترك عمله في المستشفى ليقيم في الملكية الصغيرة التي ابتاعها في الريف بفضل تقتيره، لا يبرح على بخله القديم الذي أضيف إليه حاليا تعشق شديد للخمرة، وقد رفع بينه وبين العالم، بما فيه أبناؤه، حاجزا لا سبيل إلى اجتيازه. ويتوسل فيودور إليه : " أرسل لي شيئا بأسرع وقت ممكن، وسوف تنقذني من جحيم لا يطاق! أواه، ما أفظع أن يكون المرء في حاجة!" ومرة أخرى : " يا أبي العزيز الطيب، لا تحسب أن ابنك يطالبك بشيء فائض حين يسألك معونة مالية .. إن لي رأسا، وذراعين . ولو كنت طليقا لما سألتك كوبيكا واحدا .. كنت أعتاد البؤس إذن. لكن تذكر يا أبتي العزيز أني في هذا الوقت " أقوم بخدمتي " بكل معنى الكلمة، ولا بد لي شئت أم أبيت أن أتكيف مع قواعد المجتمع الذي أعيش فيه..
وبالفعل، فإن حياة المعسكر تكلف كل طالب 40 روبلا على الأقل ( إني أكتب إليك كل ذلك لأني أتحدث إلى أبي ) ولست أحسب في هذا المبلغ قيمة السكر والشاي. ومع ذلك، فهذه أشياء لا غنى عنها، حين يكون المرء مبتلا بالأمطار حتى عظامه، تحت خيمة من القش، أو حين يعود من تدريب مضنٍ، فتجمد أطرافه من البرد ولا يجد قليلا من الشاي، فإنه قد يقع مريضا – وهذا ما جرى لي في المناورات في العام الفائت- ومهما يكن من أمر، فإني سآخذ بعين الاعتبار ما تعانيه من ضيق وأستغني عن الشاي، إني سأطلب منك الضروري فحسب.. ما ابتاع به زوجين من الأحذية العادية" .


إلا إن الأب لا يعير طلباته أذنا صاغية، بل يعاتبه ويعنفه لجرأته على رفع صوته أمام أبيه، ويروح يشكو الضيق المادي الشديد، مدعيا أنه لا يملك هو نفسه فلسا واحدا، ويتعاظم رأس فيودور أكثر فأكثر: " من المحزن أن يحيا المرء دون رجاء يا أخي.. إني أنظر أمامي، فأرتاع للمستقبل. وإني لغارق في جو جليدي، قطبي، حيث لا يلمع شعاع شمسي واحد. ومنذ زمن طويل لم أعرف همهمات الإلهام، وبالمقابل فما أكثر ما عانيت أحاسيس سجين شيللون في زنزانته، بعد موت أخوته..">>
ومرة أخرى: " لا أدري ما إذا كانت أفكاري الكئيبة ستتبدد يوما.. إن لدي مشروعا.. أن أصبح مجنونا .."

إنه تائه، تائه في دروب الحياة المظلمة، يقرأ بلزاك وغوته وشيللر حينا، ويرتمي في تيار الحياة الصاخب حينا، محاولا أن يقتل يأسه بالانغماس في الرذيلة. بيد أنه يظل، حتى في أمواج الرذيلة المتلاطمة، وحيدا على الدوام، اللهم إلا من حس الاشمئزاز من لذته العابرة، ومن الشعور بالخطيئة في ملء السعادة الكاذبة. إنه مثل سائر أبطال كتبه، وحيد لا صديق له، ومثلهم جميعا يحلم، ويفكر، ويتذوق رذائل الفكر والحواس على حد سواء. ويعزيه قليلا ما يحسه من أن فيه قوة كامنة، قوة توشك أن تنفجر، وهو يخاف منها. إنهيرقة لا تبرح عديمة الشكل، ولا يدري إلام ستصير ومتى ستصير. إنه فريسة التشاؤم، طريد الخوف من الحياة، والخوف من نفسه، والخوف من الموت، والخوف من الفوضى الهائلة السائدة في قليه.

وفي ملء هذه الفوضى يأتيه خبر مقتل أبيه على يد بعض فلاحيه الذين لم يطيقوا صبرا على معاملته الفظة. قبل شهر واحد من ذلك كان قد كتب إليه يطالبه بمبلغ من المال دون أن يتلقى جوابا، ومما لا ريب فيه أنه كان يلعن كل ليله بخل هذا الأب وقسوة قلبه، ولعله كان يتمنى موته في نفس تلك الليلة التي قتل العجوز فيها. افلم يهتف إيفان كارامازوف، ولعله يعبر في ذلك عن مشاعر دوستويفسكي نفسه: " من منا لا يتمنى موت ابيه؟" وتنعكس جريمة الفلاحين القذرة في وجدان فيودور ميخائيلوفيتش، فيتهم نفسه بما لم ترتكبه يداه قط. إنه هو المسؤول الأول عن هذه الجريمة، ومسؤوليته لا يمكن أن يفهمها أحد سواه، وهي جسيمة بحيث تبتلع مسؤوليات الآخرين. إنه مذنب بصورة تتجاوز القوانين البشرية. ويهزه هذا الكشف بلك قسوة الحقيقة الواقعة، فإذا انتفاضة هائلة تهزه وتصرعه أرضا، مزبدا متحشرجا : تلك هي نوبة الصرع الأولى منذ كان في السابعة من عمره.

ومهما يكن الأب بخيلا، فقد كان يرسل إلى ولده بعض المال من وقت لآخر، أما الآن فلابد أن يلجأ إلى الغرباء في حاجته. وتتراكم عليه الديون مع مرور الأيام، يحاول أن يفيها بديون جديدة، مناضلا متذللا، متوسلا كي لا يسحقه تيارها الجارف. بيد أنه لا يعرف، مع ذلك، أية قيمة للمال، وإذا وجد أن خادمه، أو خياطه، يسرقانه لم يأبه للأمر مطلقا، ولم يطرد الخادم أو يغير الخياط. وينكب على ( أوجيني غرانديه ) يرتجمها في محاولة يائسة لتحسين أوضاعه المالية: " ترجمت أوجيني غرانديه لبلزاك. يا لها من رائعة! إن ترجمتي مدهشة، وأقل ما يدفعونه لي ثمنا لها هو 350 روبلا ورقيا. إن بي رغبة لاهبة في بيعها، لكن المليونير المقبل الذي هو أنا لا يملك مالا من أجل نسخها، ولا وقتا أيضا. بحق ملائكة السماء، أرسل 350 روبلا أجرة النسخ..." وبعد ستة أشهر: " إذا تواني الخنازير الموسكوفيون، فقد ضعت. ولسوف يجرونني في كثير من الجد إلى السجن. يا له من وضع مضحك حقا. إنك تتحدث عن القسمة العائلية، ولكن أتعرف ماذا أطلب؟ التنازل عن كل مشاركة حقيقة في حقوق الملكية، والتنازل التام عند حلول الساعة، مقابل 500 روبل فضي دفعة واحدة، وخمسمائة روبل آخر تدفع على أساس عشرة روبلات من الفضة شهريا – هذا كل ما أريده.. أعترف بأنه قليل، وبأنه لا أسرق أحدا.. وإذا كانوا لا يملكون هذه الإمكانيات، فإن سبعمائة وحتى ستمائة روبل تكون مناسبة في وضعي. وقد أرجع بعد رأيي، أكفلني أنت.. وأن لدي أملا، فأنا أنهي رواية في حجم أوجيني غرانديه، إنها رواية نسيج وحدها، وأنا حاليا أنسخها، ولا ريب أني سأحصل على جواب بشأنها حوالي 14 كانون الثاني. سوف أعطيها إلى ( حوليات الوطن ). إني راضٍ عن عملي، وسأتناول عنه حوالي 400 روبل. هذه كل آمالي!"

تلك هي ( المساكين ) هذه الرائعة، هذه الدراسة العميقة للنفس الإنسانية! إن دوستويفسكي في الرابعة والعشرين حاليا، ولقد كتبها، هو الوحيد، بنار هواه المحرقة وبدموعه اللاهبة. ذلك أن الإذلال الأقسى الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان، ألا وهو الفقر، قد أوحاها إليه، تدعمه القوة العظمى في هذا العالم، أعني بها حب أولئك الذين يتعذبون.

بيد أنه يتطلع إلى هذه الصفحات في شيء من الخشية، لا يريد أن يسأل القدر لأنه يخاف الحكم الذي قد يصدره، وأخيرا يقرأ المخطوطة لصديقه وشريكه في الغرفة، الكاتب غريغوروفيتش، فيرتمي هذا بين ذراعيه باكيا، ويختطف المخطوطة منه ليحملها إلى نيكراسوف. ويقرآنها معا، الليل بطوله، يضحكان حينا ويبكيان أحيانا، حتى إذا لم يعودا يستطيعان صبرا ينطلقان إلى صاحبهما، حوالي الرابعة صباحا، يوقظانه من نومه، يهنئانه ويقبلانه، لأن ذلك " أهم من النوم ".

ويحمل نيكراسوف المخطوطة إلى بيلنسكي، الناقد الشهير، المرهوب الجانب، الباني أمجاد الكتاب الروس والهادم إياها: " لقد ولد لنا غوغول جديد". فيرد الناقد باستنكار: " إن أمثال غوغول عندكم ينبتون مثل الفطور". لكنه يقبل أن يطلع على المخطوطة، حتى إذا ذهب إليه دوستويفسكي في الغداة شاهده مشرقا بالفرح :" هل تدرك ماذا صنعت هنا؟" ويلتهب بيلنسكي حماسة:" إنك لم تكتب مثل هذا المؤلف إلا لأنك بكل بساطة فنان عظيم الحساسية، ولكن هل قدرت كل سعة الحقيقة الرهيبة التي وصفتها لنا؟ يستحيل أن تكون فهمتها وأنت في العشرين من عمرك.. إن الحقيقة تكشف لك وتعلن بوصفك فنانا، أنت تلقيتها هبة، فاعرف كيف تقدر هذه الهبة. ابق أمينا لها، وسوف تصير كاتبا عظيما".

ويصعق دوستويفسكي، وينتشي، ويصيبه الدوار، إنه يريد أن يقبل كل الناس، وأن يشكرهم، وأن يقسم للبشر جميعا صداقة أبدية. ويهبط الدرج مترنحا كأنه في حلم، ويتوقف عند زاوية الشارع عاجزا عن متابعة السير، يتطلع إلى السماء، وإلى صفاء النهار، وإلى المارة الذين يخيل إليه أنه لم تعد تجمعهم به أية رابطة. الم يرتفع إلى الأعلى منهم بصورة مفاجئة. ويتساءل: " أيمكن أن أكون حقا على هذا القدر من العظمة؟" أجل ، إنه ليشعر الآونة بكل وضوح بأن سائر تلك الأشياء الغامضة الخطيرة التي انبثقت من فؤاده هي أشياء عظيمة حقا، ولعلها بالضبط ذلك ( الشيء العظيم ) الذي كان يحلم به في طفولته: الخلود، والعذاب من أجل الإنسانية بأسرها. ويتعثر في مشيته، يمتزج في دموعه الهناءة والألم جميعا.

وهذا هو بين عشية وضحاها، وبطرسبورغ المثقفة كلها تعرفه، والضواحي أيضا. ولقد أنقذه كتابه نوعا ما من ضائقته المادية، إذ تناول عنه 500 روبل ما أسرع أن ابتلعتها ديونه العتيقة والجديدة معا. وهذا هو ذات صباح مدين بستمائة روبل. ما العمل؟ " إن المرء ليمل في هذا العالم يا سادة! ما عسى أن يكون المستقبل، يا ترى؟ " إن هذا المجد يشكل في الوقت ذاته الحلقة الأولى في السلسة التي ستقيده إلى العمل الإجباري، والإبداع لن يكون بالنسبة غليه، من الآن فصاعدا إلا واسطة لكسب المال، ودفع الديون، والخلاص من السندات، رغما عن كل محاولاته لإنكار ذلك. ولن يكون كل كتاب جديد إلا رهينة لسلفة مالية تلقاها، فالجنين مرهون للعبودية منذ الحمل به، قبل الحمل أيضا.
وهذا دوستويفسكي قد حبس إلى الأبد ضمن جدران سجن الأدب، ولن يحرره سوى الموت وحده.

ولو أنه كان إنساناً آخر, لو كانت أعصابه أقل إرهاقاً, وحبه للإنسانية أق عنفاً, فلعله كان يستطيع أن يعيش حياة هادئة, وينتج في جو من الدعة والهدوء. بيد أن شيطانه يدفعه دون هوادة, أو قل هو القدر يقف له بالمرصاد, إن الحياة لا يمكن أن تكون بمثل هذا اليسر, بل إن حياة سهلة على هذا الغرار هي حياة ميتة. أما هو فيجب أن يعرف الحياة حتى أعمق أعماقها.

ما باله؟ إن صالونات بطرسبورغ مفتوحة له, وبيلنسكي لا يدري كيف يكيل المديح له, وتورجنيف يبدي له كل عطف ومحبة, والجميع من حول يرددون كل كلمة تسقط من فمه. بيد أنه يشعر بالضيق, ويدفعه هذا الإحساس إلى الانطواء, والتكبر. إنه يحس أن مكانه ليس ههنا, بين هؤلاء القوم السعداء, الأثرياء الرافلين في أبهى الحلول, غير العارفين كيف يزجون الوقت. إنه غريب بينهم, يهاجمهم خوفاً أن يهاجموه, ولا يفكر طوال الوقت. إلا في الفرار بأسرع وقت والعودة إلى غرفته الصغيرة, السيئة الإنارة, الغاضة بدخان التبغ, المزدحمة بالكتب والأوراق. إن الوحدة هي ملجأه الأوحد.

وإنه ليتخبط في بؤسه ـ هذا البؤس الذي أصبح مركب نقص بالنسبة إليه ـ ويريد أن يتحرر منه. إنه لمقتنع بأنه لا بد في سبيل ذلك من فعل اجتماعي يحرره مع سائر إخوته المعذبين في الأرض, بحيث تمنحه هذه الحرية أخيراً الثقة بالنفس, والإيمان بالمستقبل, واليقين بالقدرة على فعل الخير, هو الذي تضيع عليه فوضى حياته كل خير.

وهكذا ينضم إلى حلقة بتراشيفسكي الثورية, حالماً بتحرر روسيا الأم من القيصرية والعبودية والفقر, ورفع البائسين فيها إلى مستوى إنساني حقاً. وإنه ليقرأ في اجتماعات الثوار السرية صفحات من الشعراء الروس الكبار, ورسالة بيلنسكي إلى غوغل, ويحرر (( اتهامات )) ضد النظام القائم.

وهذا هو ذات صباح موقوف بتهمة التآمر على سلامة القيصر.. وتنطبق عليه جدران زنزانة ضيقة في قلعة بطرس وبولس طوال أربعة أشهر, ثم يصدر عليه مع رفاقه الحكم الصاعق: الإعدام رمياً بالرصاص.

ويخيم الموت بجناحه عليه.. إنه يساق مع تسعة من رفاقه مع خيوط الفجر الأولى, وقد رميت الأكفان على أكتافهم, إلى ساحة سيميونوفسكي حيث يقيدون إلى الأعمدة وتغطى عيونهم. هذه هي آخر مرة يرى فيها نور الحياة, وفي هذه الثانية القصيرة, مع انطلاق الرصاص الغدار, يتركز مصيره كله. إنه يصغي إلى قرار الحكم يتلى عليه, وإلى الطبول تقرع لحن الموت, بيد أن رغبته في الحياة مجتمعة, كل قوتها الجارفة, في تلك البرهة من الانتظار, انتظار الموت, في تلك الهنيهة التافهة من الزمان الذي لا حدود له. ولكن هذا الضابط المكلف بحكم الإعدام يلوح بمنديل أبيض في يده, فتتوقف الطبول عن القرع, ويخيم صمت رهيب على الساحة. أهو صمت الموت؟ كلا, بل هذا قرار الرحمة القيصرية يتلى عليهم, مستبدلاً حكم الإعدام بالأشغال الشاقة في سيبيريا لمدة تسعة أعوام.

وتتلقفه الهاوية. إن ألفا وخمسمائة وتد خشبي تشكل طوال أربع سنوات حدود أفقه, وهو يعد عليها أيام سجنه الباقية. إن رفاقه ههنا ـ وقد كانوا في بطرسبورغ نيكراسوف وبيلسنكي وتوجنيف ـ قتلة ومجرمون ولصوص, وبعض البولونيين الذين يكرهون كل ما هو روسي, هؤلاء جميعاً يمنعون عليه, هو المثقف السجين السياسي, صداقتهم الرخيصة. وإن عمله, هو الذي صنع (( المساكين)), صقل الرخام ونقل الأجر ورفع الثلوج. ههنا ليس له من رفيق سوى الكتاب المقدس, وقد دفعته بين يديه على الطريق إلى سيبيريا محسنة طيبة وفي طياته ورقة من فئة الخمسة وعشرين روبلاً, وليس له أصدقاء سوى كلب جربان ونسر كسير الجناح مثله. وتتوالى عليه نوبات الصرع: (( كنت أشرب الشاي, وأكل أحياناً قطعة اللحم الخاصة بي, وهذا ما أنقذني. وإن انهيار أعصابي قد أدى إلى إصابتي بالصرع. إني أحيا في تهديد دائم من العقاب, والقيود, في خنق دائم للفكر. إلام صارت نفسي, ومعتقداتي, وذكائي, وقلبي؟ ذلك حديث طويل جداً. بيد أن التركز الأبدي في ذاتي من الواقع المرير قد آتى ثماره )). ويبقى هكذا أربع سنين في (( بيت الموتى )) في الجحيم, ضائعاً بين الأخيلة, مجرد رقم ليس غير, قد أنكرت عليه سائر صفات الإنسانية على الإطلاق.

وحين رفعت القيود أخيراً من قدميه, وأدار ظهره إلى تلك الأوتاد, لم يعد الشخص نفسه. لقد ذهب مجده هباء, ولم يعد ثمة من يذكره في بطرسبورغ, كما دمرت صحته, فنوبات الصرع تنتابه على أشد ما يكون. لكن فرحته بالحياة بقيت له, بلى زادت تأرثاً في جسده الناحل الممروض. ولا تبرح أمامه سنوات أخرى يقضيها في سيبيريا, جندياُ بسيطا بادئ الأمر, ثم ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ, بعيداً عن الجو الأدبي, ممنوعاً من نشر أي مؤلف. ولم يكن البعد عن روسيا عذابه الوحيد, بل إن عوز المال يلاحقه دائماً. ويحب أن يتزوج, لكن الزواج يكلف في حسابه ستمائة روبل. ومن أين له هذا المبلغ؟ ويمد يده, ويستجدي (( إني أتصرف بجيبك فكأنه جيبي, لكن السبب في ذلك جهلي بأوضاعك المالية. إن فيليبوف قد أهداني خمسة وعشرين روبلاً فضة )) . وإنه ليكتب أثناء ذلك, بل ينشر أحياناً بأسماء مستعارة, لكنهم لا يدفعون له كما ينبغي: (( أنا لا أجهل أني أكتب بصورة أسوأ من تورجنيف, وآمل ألا أظل كذلك في المستقبل. ولماذا لا أنال, أنا فقير جداً, سوى مائة روبل عن كل ملزمة مطبوعة, بينما ينال تورجنيف, وهو رجل غني يملك ألفي نفس, أربعمائة روبل عن كل ملزمة؟ إن فقري يجبرني على السرعة أبداً. إني أكتب من أجل المال, وأفسد عملي. بحق اليسوع أنقذني )).


ويعود إلى بطرسبورغ وقد نسيه الناس, وهجره رفاق القلم, وتبعثر أصدقاءه. وفي العاصمة لا بد له أن يعيش, ولا بد من المال في سبيل ذلك. ولذا يجب ن يكتب, أن يشرع القلم, منفساً بذلك في الوقت نفسه عن نشوة الحرية التي تعبئ طاقته العصبية.

ويرسل كتابه عن ( بيت الموتى ), هذه اللوحة الخالدة عن حياة إنسان في سجن الأشغال الشاقة, عاصفة من الحماسة في كل روسيا وينتزعها من لا مبالاتها الناعسة. إن الأمة بأسرها تكشف أن السطح الساكن الهادئ للعالم الروسي يخفي عالماً آخر, عالماً يكدس كل العذابات الممكنة. ويبلغ لهيب الاتهام حتى الكرملين, فيروح القيصر نفسه ـ ويا للسخرية! ـ يسقي صفحات الكتاب بدموعه. وهذا اسم دستويفسكي من جديد على كل لسان: إن سنة واحدة قد كانت كافية لبعثه, لإرجاع إكليل الغار إلى جبينه أعظم بهاء منه قبلاً. ويؤسس مع أخيه مجلة هو محررها الوحيد تقريباً, فتنال نجاحاً عظيماً. أليس مؤلف ( بيت الموتى ) من ورائها؟ وإنه لينهي رواية في الوقت نفسه. أليس من حقه أن يطمئن الآن, وقد ابتسم القدر له قليلاً, وأصبح مستقبله في أمان كما يبدو, وثروته مؤكدة بعد اليوم؟

ولشد ما كان مخطئاً. إن كل شيء يتهدم وينهار في لحظة واحدة, إذ تمنع المجلة دون سبب, وتموت الزوجة وقد كانت مريضة على الدوام, ويلحق بها الأخ, وهذا الصديق الوفي الناصح الأمين, فتتراكم الديون من جديد, ديونه الخاصة وديون الأخ الراحل, فينحني ظهره تحت وطأة هذه الضربات المتلاحقة وإن ظل يناضل بتلك القوة التي يبعثها اليأس في الإنسان, فيشتغل ليل نهار, يكتب وينسخ بيده كي يقتصد أجرة النسخ في محاولة يائسة لتسديد وإنقاذ شرفه وسمعته.

بيد أن التيار أقوى من أن يستطيع مقاومة له, فيفر إلى أوروبا ورفيقه الوحيد فتاة في العشرين, عدمية العقيدة, قد أعجبت بموهبته وتيم بهواها. وهذا هو تائه في دروب العالم الأوروبي الغريبة, بعيداً عن الوطن الأم حيث تغرق جذوره, ويعذبه الحنين إلى روسيا, الأرض المقدسة, مصدر حياته وينبوع إلهامه, وإن الحاجة لتلاحقه ههنا أيضاً دونما هوادة, تدفعه نحو مائدة القمار حيث يغامر بكل شيء, متحدياً قدره. لكن هيهات أن يواتيه الحظ, فالهوة تحت قدميه لا تزداد إلا اتساعاً.

إنه مجبر على الحياة في بلاد أجنبية لا يحبها، بل يبغضها ويبغض سكانها أيضا، لا يعرف فيها أحدا ولا يعرفه أحد، وحيدا تماما بعدما هجرته عشيقته، محاطا بطغمة من البقالين وأصحاب الدكاكين الألمان الذين لا يفقه كلمة واحدة من حديثهم، مقيما في غرفة حقيرة، طعامه الرئيسي الشاي، وبذلته المهترئة لا يملك بديلا لها، وألبسته الداخلية قذرة لا يملك أن يخلعها، لأنه لا يملك سواها، يقصد المقاهي طلبا للدفء وقراءة الصحف الروسية، أو موائد القمار طلبا ( للمائة ألف فرنك )، يربح حينا ويخسر أحيانا، ويعود دائما في آخر الليل وقد نقصت محفظته بضعة روبلات ما كان أعظم حاجته إليها، أو يقف الساعات الطوال أمام شباك المصرف، ينتظر حوالة مالية كتب من أجلها عشرات رسائل السؤال المهين إلى عشرات الأشخاص الذين لا يردون عليه، أو يذهب إلى محلات الربا، يرهن ساعته أو بعض أثاثه القليل أو ثيابه لقاء دريهمات قليله تقيم أوده، أو تشبع حنينه المحرق إلى الأحمر والأسود.

" لقد كنت أسعد حالا في سيبيريا، في السجن "

وأنه ليشتغل طوال النهار والليل دونما كلل، بينما الصرع يصعقه دونما رحمة، وأحيانا أكثر من مرة واحدة في اليوم، ثم يتركه أياما بكاملها في حالة من الخدر التام، لا يستطيع إلى مجرد الحركة البسيطة سبيلا.

لكنه لا يكاد يحس دبيبا من القوة في جسده حتى يزحف من جديد إلى مكتبه. إن العمل هو خلاصه الوحيد، وهو سبيل العودة إلى الوطن.

إنه يكتب " الجريمة والعقاب" و " الأبله" و " المقامر " و " الأبالسة "، هذه الآثار التي هزت القرن التاسع عشر، ولا تبرح غذاء روحيا غنيا لعشرات الملايين في القرن العشرين.

وأخيرا، في ساعة الحزن الأعظم، تأتيه رحمة الأقدار. إنه في الثانية والخمسين، لكنه قد عانى خلال هذه السنوات القليلة قرونا من العذاب.

ولقد مهدت له كتبه أن يعود إلى وطنه، إذ كسفت تولستوي وتورجنيف، وجعلت عيون روسيا كلها تتجه إليه. إن " مذكرات كاتب " قد جعلت منه رسول بلاده، وهو حاليا يكرس قواه وكل فنه فيما يمكن تسميته وصيته الأخيرة " الإخوة كارامازوف ".

إن البذرة قد أتت ثمارها، ولم تيبس وتمت. ذلك أنها بذرة حية قد ألقيت في تربة خصيبة جدا. ويوم تداعى الكتاب الروس إلى الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد الشاعر الأكبر بوشكين، استقبل الجمهور دوستويفسكي، حين انحنى بوجهه الرمادي المتعب، المحفور بسنوات العذاب الطويل، بعاصفة حادة من التصفيق، بعدما كان استقباله بالأمس لتورجنيف، أول المتحدثين، فاترا نوعا ما. ووقف ينتظر ، وبين أصابعه العقدة أوراق محاضرته، إذ استمر الهتاف طويلا رفع يده يلوح بها بخرقة، طالبا الهدوء، ثم بدأ حديثه بصوت لاهث راح يرتفع شيئا فشيئا حتى سيطر على القاعة الواسعة الأرجاء. من أين واتته القوة، هو العجوز المنهك القوى، على الصراخ بكل هذا العنف من أعلى منبر؟ وأي عنفوان عجيب يكهرب هذا الجسد ويلهب تلك النظرة. إنه يعلن، بواسطة بوشكين، عن الرسالة المقدسة لروسيا، رسالة المصالحة العمومية. وفي الحقيقة من هو بوشكين؟ إن بوشكين هو تجسد الروح القومية مع قابليتها العجيبة لالتقاط عبقريات الشعوب الأخرى. إن بوشكين هو روسيا بكل ما تتضمنه من شمول، فهو اسباني في " دون جوان " وانكليزي في " الحفل أثناء الطاعون " و ألماني في " مقطع من فاوست " وعربي في " محاكاة القرآن " وروسي في " بوريس غودونوف ". ولأن بوشكين هو كل هذا، لأنه يعرف كيف يكون كل هذا، فهو روسي. إن مغزى الإنسان الروسي قبل كل شيء مغزى أوروبي وعالمي، فإن يكون المرء روسيا حقيقيا، أن يكون روسيا كليا، ذلك إنما يعني أن يكون أخا لسائر البشر، إنسانا كليا إذا جاز التعبير. وأن سائر شعوب الغرب القديمة عزيزة على الشعب الروسي الفتي، ولسوف ينقذها، لأنه يظل بفضل سذاجته الرائعة الملجأ الأخير للمسيح " لم لا نكون نحن الذين نحتوي على كلمة المسيح الأخيرة؟".

إن القاعة بأسرها ترتعش تحت انفجار الغبطة المنطلق من الجمهور المستمع، ويخر الرجال ساجدين، وتنحني النسوة على يدي دوستويفسكي يقبلنهما، ويغمى على طالب عند قدميه. ويتنازل بقية الخطباء عن حق الحديث، فليس لهم ما يقولون بعد دوستويفسكي. ومنذ تلك اللحظة الفريدة، أصبح المجد مؤكدا، وتم العمل وتحققت الرسالة. ومن ثم، فقد أينعت الثمرة، فسقطت عنها القشرة، الجافة وكان ذلك في العاشر من شباط عام 1881.

وتتدفق الوفود، التي هزها النبأ الفاجع، من سائر الأنحاء، القريبة منها والبعيدة، ومن داخل الحدود وخارجها، لتقدم إلى الراحل العظيم الواجب الأخير. إن الجميع يريدون أن يشاهدوا الميت الذي أجمعوا على نسيانه طوال حياته، فالشارع الذي سجى جثمانه في أحد منازله يغص بالناس الذين يرتقون سلم البيت المتواضع على مهل، ويتكدسون حول النعش يختلسون إليه النظرة الأخيرة، نظرة الوداع.

وتتلاشى الزهور عن سرير الميت، قد تخاطفها الناس كأثر ثمين يعتزون به. وتنطفئ الشموع في الغرفة التي أصبح جوها خانقا، ويكاد النعش أن يقع أرضا، فتسنده بوهن الأرملة الثكلى وأولادها اليتامى.

ويريد مدير الشرطة أن يمنع الجنازة العامة، إذ ترامى إليه أن في نية الطلاب أن يسيروا خلف النعش حاملين سلاسل المحكوم بالأشغال الشاقة، لكنه لايجرؤ على مجابهة هذه الحماسة التي لا بد أن تفرض نفسها بقوة السلاح إذا اضطرت. ويتحقق حلم دوستويفسكي لساعة من الزمان على الأقل، حلو قبره: اتحاد جميع الروس. إن الألم يذيب في كتلة واحدة مئات ألوف الناس السائرين بقلب وجيع خلف نعشه. إن الأمراء ورجال الإكليروس، والضباط والعمال، والطلاب، والأُجراء، يبكون جميعا، تحت سماء من الأعلام والرايات، الراحل العزيز على قلوبهم جميعا.




 

رد مع اقتباس
قديم 09-20-2016, 07:55 PM   #2
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 07-05-2017 (03:37 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي




اقتباسات من أقوال فيودور دوستويفسكي



-«إذا لم يكن هناك الله ، فكل شيء مستباح»

- «أن تعيش بدون أمل هو أن تتوقف الحياة»



«الواقعيون لا يخافون من نتائج دراستهم»


«السعادة القصوى هي بمعرفة مصدر التعاسة»


«السخرية هي الملاذ الأخير لشعب متواضع وبسيط»


«لتحب شخصا ما يعني أن تراه كما كان الله ينوي له»


«السعادة لا تكمن في السعادة ، ولكن في تحقيق ذلك»


«فقط الانسان هو من يعد أتراحه ، ولكنه لا يعد أفراحه»


«تقبل المعاناة وتحقيق التكفير من خلال ذلك وهذا هو ما يجب عليك فعله»


«الجمال هو لغز وكذلك رهيب. الله والشيطان يتقاتلون هناك ، وميدان المعركة هو قلب الرجل»


«الأذكى من ذلك كله ، في رأيي ، هو الرجل الذي يصف نفسه بانه مجنون على الاقل مرة في الشهر»


«الناس لا يقبلون الأنبياء ويذبحونهم ، لكنهم يحبون ويعبدون الشهداء الذين تم تعذيبهم حتى الموت»


«الحرمان من العمل الهادف ، رجالا ونساء يفقدهم سبب وجودهم ، وهذا يذهبهم بشكل صارخ ، لحد جنون الهذيان»


«هناك أشياء الانسان يخاف ان يقولها حتى لنفسه ، وكل رجل رزين لديه عدد من مثل هذه الأشياء مخزنة في عقله»


«الجنتلمان الحقيقي ، حتى لو خسر كل ما يملك ، يجب أن لا تظهر أي انفعال. المال يجب أن يكون لا يستحق القلق حوله»


«الإنسان لغز : إذا أنفقت حياتك كلها لتحل هذا لغز ، بعدها لا تقل انك أهدرت وقتك . أنا شغلت نفسي بهذا اللغز ، لأنني أريد أن أكون رجلا»


«إذا كنت تريد أن تكون محل احترام الآخرين فالشيء العظيم هو أن تحترم نفسك. إلا أنه ، من خلال احترام الذات سوف تجبر الآخرين على احترامك»


«لو كنت تريد تدمير الاعتقاد في الخلود في الجنس البشري ، ليس الحب فقط ولكن كل قوة حيوية تدفع على استمرار كل أشكال الحياة في العالم تعتمد عليها ، من شأنها أن تجف في وقت واحد»



 

رد مع اقتباس
قديم 09-20-2016, 08:01 PM   #3
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 07-05-2017 (03:37 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي الجـــريمة والعقــــاب"



(( ملخص رواية الجـــريمة والعقــــاب))



الأفكـــار الرئيسية:



تتطرق " الجريمة والعقاب " لمشكلة حيوية معاصرة ألا وهي الجريمة وعلاقتها بالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية للواقع، وهي المشكلة التي اجتذبت اهتمام دستويفسكي في الفترة التي قضاها هو نفسه في أحد المعتقلات حيث اعتقل بتهمة سياسية، وعاش بين المسجونين وتعرف على حياتهم وظروفهم.

وتتركز حبكة الرواية حول جريمة قتل الشاب الجامعي الموهوب رسكولينكوف للمرابية العجوز وشقيقتها والدوافع النفسية والأخلاقية للجريمة.



ولا تظهر " الجريمة والعقاب" كرواية من روايات المغامرات أو الروايات البوليسية، بل هي في الواقع نموذج لكل تأملات الكاتب في واقع الستينات من القرن الماضي بروسيا، وهي الفترة التي تميزت بانكسار نظام القنانة وتطور الرأسمالية، وما ترتب على ذلك من تغيرات جديدة في الواقع الذي ازداد به عدد الجرائم، ولذا نجد الكاتب يهتم اهتماما كبيرا في روايته بإبراز ظروف الواقع الذي تبرز فيه الجريمة كثمرة من ثماره. ومرض من الأمراض الاجتماعية التي تعيشها المدينة الكبيرة بطرسبرج ( ليننجراد حاليا ) وهي المدينة التي أحبها الكاتب وبطله حبا مشوبا بالحزن والأسى على ما تعيشه من تناقضات، ولهذا السبب بالذات نجد الكاتب كثيرا ما يخرج بإحداثه للشارع ليجسد من خلاله حياة الناس البسطاء والمدينة الممتلئة بالسكر والدعارة والآلام.



اهم الأحداث بالرواية:



( أ ) الجريمــة:





هاهو الشاب رسكولينكوف يخطط لجريمته المزمعة، أو لتلك " الفكرة" التي تختمر برأسه، وهو يرتب ويعد لها بمهارة ودقة وعناية شديدة، فهو يقوم بزيارة استطلاعية لمكان الجريمة وهو بيت المرابية العجوز، لكن على ما يبدو لم يكن قد قرر نهائيا في تلك اللحظة تنفيذ الجريمة، وهو ما نعرفه من المونولوج الداخلي للبطل:"يا إلهي إن كل هذا لكريه، أحقيقة، أحقيقة أنا...لا،إنه لهراء، إن هذا لسخف، أحقيقة يمكن لهذا الهول أن يخامر رأسي"

كان رسكولينكوف يشعر في الفترة الأخيرة بالنفور الشديد تجاه شيء، وها هو هذا الشعور يتفاقم وهو في طريقه على بيت المرابية، توجه رسكولينكوف إلى بيت المرابية لزيارتها وليرهن ساعته وبالصدفة –وهو مار بالطريق على بيتها- قابل شقيقتها الوحيدة ليزافيتا التي تعيش معها في نفس الشقة، وفهم من حديث ليزافيتا مع الآخرين أن ليزافيتا لن تكون بالمنزل الساعة السابعة مساء وأن المرابية بالتالي ستكون بمفردها في هذا الوقت، وفي التو راودت رسكولينكوف بشدة فكرة الجريمة، فالفرصة في هذا الوقت ستكون سانحة لتدبيرها وقد لا يكون هناك بديل لهذه الفرصة. وعاد رسكولينكوف إلى حجرته بعد أن صمم على تنفيذ الجريمة "كالمحكوم عليه بالموت" "ولم يكن يفكر في شيء، ولم يستطع على الإطلاق أن يفكر بل أحس بكل كيانه فجأة بأنه لم يعد عنده حرية البصيرة والإرادة وأن كل شيء قد حسم فجأة ونهائيا".

ويصف الكاتب بوم الجريمة بأنه كان ذلك اليوم "الذي قرر كل شيء مرة واحدة، فقد اثر عليه بطريقة آلية، وكما لو كان قد أخذه أحد ما من يده وجذبه خلفه بلا مقاومة، بعناء بقوة غير طبيعية، بلا اعتراضات". قبل أن يتوجه رسكولينكوف إلى بيت المرابية فكر في أن يعرج على مطبخ صاحبة الدار التي يقيم بها ويأخذ من هنالك بلطة، ولكن بالصدفة كانت الخادمة هناك تؤدي عملها فلم يتمكن من ذلك، لكنه وجد عند البواب بفناء المنزل بلطه أسفل المقعد، فأخذها وخبأها في ردائه، وسار على بيت المرابية في خطى هادئة ودون أن يتعجل كي لا يثير الشكوك به، وكان ينظر قليلا إلى المارين محاولا ألا يحدق على الإطلاق في الوجوه، وأن يكون ما أمكن غير ملحوظ.

صعد رسكولينكوف على شقة المرابية، ودق جرس الباب، في البداية لم تجبه العجوز، فقد كانت وحيدة وهي شكاكة بطبعها، وهو يعرف عن عاداتها بعض الشيء، الصق رسكولينكوف أذنيه بالباب وأصغى جيدا فسمع حركة يدها الخفيفة بالباب فأصغى جيدا، وبدا له أنها أيضا بالداخل كانت تنصت غليه، وأخيرا فتحت له العجوز الباب وهي تحدق نحوه بنظراتها الحادة المرتابة، مما جعل رسكولينكوف يقبض على الباب بشدة تجاهه خشية أن تعود فتقفله مرة أخرى، وسمحت له العجوز بالدخول غليها بعد أن أخبرها بأنه ندم لإعطائها بعض الرهن. إلى أن نظرات العجوز الغريبة أثارت خوف رسكولينكوف، الشيء الذي أوقعه في خطأ كلفه الكثير، فقد نسي رسكولينكوف من ورائه الباب مفتوحا.

وقدم رسكولينكوف للعجوز الرهن، فاستدارت عنه بظهرها وهي تحاول أن تفك الرابطة المعلقة برقبتها، وهنا فك رسكولينكوف أزرار ردائه لكي يستل البلطة، لكن يديه صارتا ضعيفتين لدرجة أنه " كان مسموعا له نفسه كيف كانت تنملان وتتخشبان مع كل لحظة".

لكن رسكولينكوف خشي من ضياع اللحظة المواتية، وفجأة وكما لو كانت رأسه بدأت تدور هوى بالبلطة وبكل قواه على رأس العجوز، فصرخت في ضعف ثم خرت صريعة مضرجة في دمائها. وضع رسكولينكوف البلطة على الأرض بجوار القتيلة وزحف إلى جيبها وهو يحاول ألا "يخدش نفسه بالدم المنسكب منها، فقد كان رسكولينكوف في تلك اللحظة في كامل وعيه وتنبهه، لكن يديه كانتا ما تزالان ترتعدان، واستل المفاتيح من جيب العجوز وكانت في ربطة واحدة وجرى بها على حجرة النوم... وبدأ يفتش بين المفاتيح عن المفتاح الذي يفتح الدولاب الذي تخبئ به العجوز الأموال والأشياء الثمينة التي في حوزتها، وهنا انتابه شعور غريب، فقد شك في أن العجوز لم تمت بعد، فألقى بكل شيء وركض غليها للتأكد، وهنا لاحظ على رقبتها الرابطة المعلقة وتمكن بصعوبة من أن يقطعها، وكان بها صليبان سوى حافظة نقود فأخذها ووضعها بجيبه، ثم عاد مرة أخرى على حجرة النوم ليجرب فتح الدولاب، وفجأة سمع ما يوحي بوجود شخص آخر في الحجرة التي كانت ترقد بها العجوز القتيل فهب رسكولينكوف من مكانه وصمت " كالميت" وخيل له في تلك اللحظة أن شخصا ما يصرخ صرخة خفيفة، وهنا وبدافع من الحفاظ على النفس قبض على البلطة وخرج من الحجرة على مكان الصوت فوجد ليزافيتا شقيقة المرابية والتي حسب من قبل عدم وجودها، وجدها واقفة في منتصف الحجرة تتفحص أختها القتيل وهي مأخوذة بدرجة لا توقى معها على الصراخ، لقد عادت ليزافيتا فجأة ودخلت من الباب الذي تركه رسكولينكوف من ورائه مفتوحا طوال وقت الجريمة.

وارتجفت ليزافيتا حين شاهدت رسكولينكوف. وبال إرادة أخذت تتراجع للخلف دون أن تصرخ، وهو رسكولينكوف على ليزافيتا المسكينة وأرداها قتيلة في الحال هي الأخرى، وارتعدت بعدها أوصال رسكولينكوف من شدة الخوف، فقد اضطر إلى جريمة مفاجئة لم يكن قد حسب حسابها، وإنما اضطر إليها اضطرارا، ومن ثم انتابه شعور شديد بالازدراء. لقد خيل لرسكولينكوف أنه قد خطط بمهارة لجريمته، وأنه قد حسب كل صغيرة وكبيرة، لكن الحياة أعقد من أن تُحسب، فهي دائما أوهى من كل حساباتنا.

فكر رسكولينكوف في الهرب سريعا، فقد كان مضطربا وخائفا لدرجة كبيرة أنسته فتح الدولاب الذي كان يحاول فتحه والذي كانت تحتفظ به العجوز بأهم جزء من ثروتها.

أسرع رسكولينكوف على المطبخ بعد أن أقفل الباب وهناك اغتسل وغسل البلطة وعدل من هيئته ثم اتجه على الباب ليهرب سريعا بعد أن اخذ معه حافظة نقود المرابية وبعض الحلي التي وجدها أسفل سريرها، ولكن كانت هناك مفاجأة تنتظره، فبعد أن فتح الباب وهم بالخروج بلغ مسمعه وقع أقدام أشخاص قادمين إلى شقة العجوز فتراجع للخلف وأوصد الباب في هدوء شديد، واضطر رسكولينكوف أن ينتظر بمنزل العجوز فترة حتى يخلو له الطريق إلى الشارع وحتى ينصرف زبائن العجوز الذين انتابتهم الشكوك في أسباب عدم فتحها لهم، وما إن تمكن رسكولينكوف من الخروج من منزل العجوز حتى سار على حجرته وهو في حالة شديدة من الإعياء وكأنه انتابته حمى شديدة، وقبل أن يصل على حجرته أعاد البلطة على مكانها الذي أخذها منه، أما الأشياء والحافظة التي تمكن من أخذها من عند العجوز فقد ألقى بها في كومة في أحد أركان حجرته وخبأها في فتحة خلف ورق الحائط ودون أن تعتريه أي رغبة في مجرد النظر إلى محتوياتها، بل نجده يفكر في إلقائها جميعا والتخلص من آثار الجريمة، ثم قرر بعد ذلك لإبعاد الشبهات عنه أن يحتفظ بها في مكان مهجور أسفل أحد الأحجار الكبيرة.





( ب ) العقــــاب:





بقتل العجوز وأختها ليزافيتا قتل الكاتب بطله وحطمه تاما،

رسكولينكوف نفسه يتساءل بعد الجريمة " وهل قتلت العجوز؟ لقد قتلت نفسي لا العجوز" ودستويفسكي لم يعاقب بطله بتقديمه إلى حبل المشنقة، فقد بدا العقاب القانوني أخف أشكال العقاب التي لقيها رسكولينكوف، أما العقاب الحقيقي فقد كان من داخل البطل نفسه ومن ضميره حيث ثاب إلى رشده عقب الجريمة، فكما يقول رسكولينكوف نفسه " إن من عنده ضميراً فهو الذي يتعذب إذا وعى الغلطة، وهذا هو عقابه".

وإذا نظرنا إلى صفحات الرواية المخصصة لوصف الجريمة فسنجدها أقل بكثير من تلك المخصصة لوصف العقاب، وعقاب البطل هنا عقاب فريد وقاس يختلف عن أي عقاب تقليدي يناله أي مجرم.

لقد بدأ العقاب النفسي للبطل بعد الجريمة مباشرة، فما أن فرغ رسكولينكوف من محو الآثار المادية لجريمته حتى بات صريع شعور جديد غير محدد بدأ يتعمق تدريجيا بداخله، ألا وهو شعور بالنفور تجاه كل شيء وكل شخص يقابله، أما وجوه الناس فقد كانت تبدو له "قبيحة وكذا مشيتهم وحركاتهم".



لقد بدا لرسكولينكوف أنه قد انفصل تماما عن عالم الأحياء، وأنه كما لو كان قد " قطع نفسه بمقص عن الجميع".

كان رسكولينكوف في تجولاته الكثيرة بشوارع المدينة يبدو شارد الفكر، كانت قدماه كثيرا ما تجرانه بلا إرادة، وكما لو كان يسير بفعل قوة خفية إلى مكان الجريمة، ليعود بعد ذلك إلى حجرته فيسقط في حالة من الغيبوبة والتيه، يتراءى لرسكولينكوف خلالها أحلام مفزعة تمتلئ كلها بالعواء والدموع والدم، ويرقد رسكولينكوف أثناء ذلك يهذي بكلام غير مفهوم يبدو معه أمام القلة المحيطة كالمجنون، وإلى جانب كل هذا العذاب بدأ رسكولينكوف بدأ رسكولينكوف يستشعر شعورا جديدا أحس به لأول مرة بعد تمكنه من الهرب بصعوبة من منزل المرابية، ألا وهو شعور الخوف والاضطهاد عند الإنسان المطارد، وهاهو هذا الشعور يتفاقم بعد معرفة رسكولينكوف بمطاردة الشرطة له، فقد فطن رسكولينكوف إلى ملاحقة المحقق القانوني له الذي كان يسترسل معه في أحاديث طويلة، محاولا الإيقاع به والحصول على اعتراف منه، وقد أثارت هذه الأحاديث غيظ رسكولينكوف الذي شاهد بها محاولة مكشوفة لاستدراجه، فهو يقول "إذن هم لا يريدون أن يخفوا أنهم يطاردونني كقطيع كلاب".

وكان شعور الإنسان المطارد يتفاقم لدى رسكولينكوف مع الأيام، وهاهو شخص يظهر من تحت الأرض ويشير إليه " يا قاتل". واقعة غريبة تحدث مع رسكولينكوف وتثير بداخله المخاوف بدرجة تجعل "قدميه تخوران"، وكما لو كان قد تجمد، ففي إحدى المرات التي خرج فيها رسكولينكوف للتجول شاهد البواب وهو يقف أمام حجرته فلفت نظره مشيرا إلى شخص ما طويل الهيئة، وحين سأل رسكولينكوف البواب عن الموضوع أخبره بأن الرجل كان يسأل عنه، وحينئذ اندفع رسكولينكوف في أعقابه حتى لحق به وسار في محاذاته، وسأله رسكولينكوف عما إذا كان يسأل عنه، فلم يجبه الرجل ولم يرد ولم يعره بالا، حينئذ قال له رسكولينكوف غاضبا: "من أنت..ولماذا إذن حضرت... سالت ثم الآن تسكت...نعم...ماذا يكون هذا؟!"

فرد الرجل عليه بصوت هادئ وواضح " يا قاتل"..لقد أخذ رسكولينكوف بهذه الحادثة، وما أن عاد إلى حجرته حتى رقد بلا حراك على الأريكة، وتمدد عليها وهو يتأوه، فما لبث أن غفا في حلم عن أيام طفولته.. ثم تنبه بعد ذلك على صوت وقع أقدام صديقه "رازوميين" ووضع رسكولينكوف يده على رأسه التي كانت تعتصرها الأسئلة: "من هو، من هو هذا الشخص الذي خرج من تحت الأرض؟ أين كان وماذا شاهد؟ لقد شاهد كل شيء، هذا لا شك فيه، أين كان يقف آنذاك ومن أين كان ينظر؟ لماذا يخرج الآن فقط من تحت الأرض؟ وكيف استطاع أن يرى وهل هذا ممكن؟"

ومالبث أن ضعف جسد رسكولينكوف ووهن مرة واحدة، وأحس لدقائق " كما لو كان يهذي: وسقط في مزاج متهيج منفعل".

لقد وضع الكاتب بطله في مواضع مختلفة من الناس المحيطين به وذلك كي يكشف آلامه وعذابه بعد الجريمة، ورد فعل حالته على هؤلاء الناس، وذلك خلال لقاءات رسكولينكوف مع أمه وأخته اللتين قدمتا إلى بطرسبرج بعد الجريمة وصديقه رازوميين ولوجين الذي يرغب في الزواج من أخته دونيا، وسفيرديجالوف الذي كانت تعمل لديه دونيا كمربية والذي نالت من جرائه إهانات، لقد كان أكثر الناس الذين أحسوا بالتغيير الذي طرأ على رسكولينكوف هم أمه وأخته اللتان انتابتهما الحيرة والحزن لما يعانيه رسكولينكوف من عذاب نفسي. أما رسكولينكوف الذي كان من قبل الجريمة يتجنب الأصدقاء والزملاء فقد أصبح الآن بعد الجريمة يحس بالغربة حتى عن أقرب الناس وأحبهم إليه وهو يقول: " أمي وأختي، كم كنت أحبهما فلم الآن أبغضهما، أبغضهما، ولا أستطيع تحملهما قريبا مني".

لقد استطاع رسكولينكوف أن يهرب بضعة أشهر من الحكم القانوني، ولكنه لم يستطع ولو للحظة واحدة منذ قيامه بالجريمة أن يتخلص من شعور الذنب والخطأ وتعذيب الضمير، وقد كان هذا الشعور هو العقاب الحقيقي المؤلم الذي أوقعه الكاتب ببطله، وكان هذا الشعور هو العقاب الحقيقي المؤلم الذي أوقعه الكاتب ببطله، وكان هذا العذاب يحدث عن وعي من جانب البطل، ففي اعتقاد رسكولينكوف أن : " العذاب والألم ضروريان دائما للوعي الواعي والقلب العميق".

وبعد سلسلة طويلة من العذاب والألم اللذين عاشهما وعي وقلب رسكولينكوف، تقدم بعد ذلك طوعا واعترف بجريمته وأدلى بكل الدقة والوضوح بتفاصيل الجريمة، دون أن يشوه أية حقائق في سبيل مصلحته، كما اعترف بالمسروقات وأوصافها، مما بعث حيرة المحققين والأخصائيين الاجتماعيين في تفسير دوافع رسكولينكوف للجريمة، ولاسيما أنه قد اعترف بأنه لم يستخدم النقود التي أخذها من عند المرابية ولم يحاول حتى أن يتعرف على محتويات المسروقات.

وقد دفعت هذه الملابسات إلى اعتقاد بعض المحققين بأن أسباب الجريمة ترجع على "اختلال عقلي مع ميل انحرافي للقتل والسرقة، بلا أهداف مستقبليه أو حسابات للفائدة"

أما رسكولينكوف فقد كان تبريره للجريمة في وقت المحاكمة يرتبط بوضعه المحتاج ورغبته في التدعيم المادي وبناء أولى خطواته في الحياة بنقود المرابية، وأيضا بسبب بعض الطيش بطبعه وصغير شنه. وحكمت المحكمة بعقاب رسكولينكوف بالأشغال الشاقة لمدة ثماني سنوات فقط، وقد كان هذا الحكم مخففا بالنسبة لشخص ارتكب جريمتي قتل مرة واحدة، وقد نطقت المحكمة بهذا الحكم المخفف لأسباب عديدة، فقد أخذت في الاعتبار كل الظروف الذاتية والموضوعية الخاصة بالمجرم، فهو علاوة على تقدمه طوعا للاعتراف في الوقت الذي لم يكن هناك ثمة أدلة مادية ضده، بل على العكس كان هناك شخص مهتز عقليا ونفسيا كان قد تقدم قبل ذلك واعترف بارتكابه لهذه الجريمة، علاوة على ذلك فقد كانت ظروف رسكولينكوف قبل الجريمة قاسية وصعبة بالفعل، وإلى جانب كل ذلك فقد أخذ المحققون برأي أن رسكولينكوف لم يكن في كامل قواه العقلية وقت ارتكاب الجريمة، فشخص ينسى قفل الباب وقت الجريمة لابد أن يكون في حالة اضطراب غير عادية وبالإضافة إلى كل هذه الظروف والملابسات، فقد قدّم صديق رسكولينكوف إلى المحكمة معلومات وإثباتات تكشف الجانب الإنساني الحسن من رسكولينكوف طالب الجامعة السابق، فقد أعطى بيانات عن رفقاء الجامعة الفقراء الذين كان يساعدهم رسكولينكوف في الوقت الذي كان يرزح هو نفسه تحت وطأة الفقر، كما حكت صاحبة الدار التي كان يسكن لديها عن كيفية تطوع رسكولينكوف بإخراج طفلين من شقة تحترق وكيف نالته حروق من جراء ذلك.



وبعد انقضاء خمسة شهور من محاكمة رسكولينكوف، نقل إلى المنفى في سيبيريا.






 

رد مع اقتباس
قديم 09-20-2016, 08:08 PM   #4
maya
ادارة المنتدى


الصورة الرمزية maya
maya غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Feb 2016
 أخر زيارة : 07-05-2017 (03:37 PM)
 المشاركات : 197 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Lebanon
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Black
افتراضي من أعمال الكاتب الروسي دوستويفسكي



من أعمال الكاتب الروسي
دوستويفسكي


  • لإخوة كارامازوف وهي الرواية التي عرّبها الكاتب المصري محمود دياب ومثلت في فيلم مصري باسم (الأخوة الأعداء)و تعتبر هذه الرّواية من قبل الكثير قمّة عطاءات الكاتب، وهي الرّواية الأخيرة له حيث فارق الحياة بعدها.
  • الجريمة والعقاب (روايه طويله -1866)(روايه طويله - 1881)عربت ومثلت في فيلم مصري باسم (سونيا والمجنون)
  • ذليلون مهانون (روايه طويله - 1861)
  • المساكين
  • روايه طويله - 1846)
  • الشياطين (روايه طويله - 1872)
  • الأبله) روايه طويله - 1867-1869)
  • المراهق (روايه طويله-1875)
  • ذكريات من منزل الأموات (روايه - 1862)
  • في قبوى(روايه طويله - 1864)
  • الليالى البيضاء (روايه قصيره - 1848)
  • المقامر (روايه طويله - 1867)
  • حلم العم (روايه طويله - 1859)
  • الزوج الأبدي (روايه طويله - 1870)
  • التمساح (قصه قصيره - 1865)
  • المثل (قصه قصيره)
  • قلب ضعيف(قصه قصيره - 1848)
  • شجرة عيد الميلاد والزواج (قصه قصيره - 1848)
  • قصة أليمة (قصه قصيره - 1862)
  • زوجة آخر ورجل تحت السرير (قصه قصيره)
  • ذكريات شتاء عن مشاعر صيف (سرد قصصي - 1863)
  • مذكرات كاتب (سرد قصصي - 1873–1881)


 

رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd SmartServs
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
الحقوق محفوظة لموقع البيت اللبناني

منتديات البيت اللبنانى